الأحد، 21 أغسطس، 2011

وهي تنساب




"لا شىء كالماء لينظف كل شىء।"



تخلع ملابسها وتقف تحت رشاش الماء، تتركه يتسلل حتى تحت الجلد، صمت تام لا تسمع فيه سوى صوت انتحار القطرات على أرض الحمام، ربما دقيقتان حتى تبدأ فى رفع رأسها والنظرحولها।



"لا شىء كالماء يمكنه أن يطهر।"



تترك الماء ينساب على رأسها فيكتسب سخونة تشعر بها عند ملامسة القطرات لجسدها، تفكر أنها بذلك تتخلص من كل شىء، كل دفقة مياه تخليها من إحدى خيبات العمر، تبتسم للفكرة وتستسلم تماماً للماء المنساب بارداً فتدفئه هي।



تخلل أصابعها في شعرها فتلاحظ سقوطاً لخصلات كاملة، يقولون أن الحالة النفسية مهمة جداً لصحة الشعر، تضحك وتقول لنفسها أن تلك الخصلات هي ضريبة الشفاء، في كل خصلة شعر تفقدها تفقد أيضاً أحد العثرات، فهذه الخصلة أخذت معها الخذلان، وتلك أخذت معها الخوف، أما تلك الخصلة فأخذت معها الوحدة।



"لا شىء كالماء يمكنه أن يختلط بالدموع فيداري على الأرواح المكلومة।"



تتابع وقوفها تحت الماء المنهمر، تمتم في سرها أن حمامات الماء الدافئة مريحة للأعصاب، وحمامات الماء الباردة تنعش العقل وتجعلنا أفضل، تبتسم لنفسها في خبث وتخبرها أنها تملك كل شىء، فماذا تريد أكثر من هذا؟

"لا شىء كالماء يتسرب بسرعة من بين كفيك। "

تغلق صنبور المياه جيداً وتجمع خصلات شعرها المتناثرة من إثر السقوط، تلف المنشفة حول جسدها وتخرج لتواجه العالم بلا خيبات، فقط قبل أن تبدأ في مسرحيتها اليومية عليها أن تخفي الخصلات جيداً في ذلك الصندوق الذي يحتوي أجزائها الأخرى।


.........إنجي إبراهيم...........


الثلاثاء، 16 أغسطس، 2011

محازاة

" بننجرح"


تحكي له عن يومها المشحون، عن زملاء العمل، عن غباء البشر، عن زحام المواصلات، عن كل تلك الأشياء التافهة التي تعيقها عن التنفس وتجعلها تتمنى لو بكت وضربت الأرض بقدميها كالأطفال।


........................................................................


"كل يوم لكن، لكن بيفرحنا"


تفاصيل الحياة تعيقها عن أن تخبره أنها تود لو تراه، أنه أوحشها، تعرف أنها سوف تكون سخيفة جداً لو قابلته وهي محزونة، تعرف أن عيناها لا تلمعان في مثل تلك الظروف، تكره الكون كله وتتمنى لو تحولت لميدالية تستقر في جيب قميصه سماوي اللون।


....................................................................


"إن انت جوا القلب، ساكن فى أفراحنا"


يفاجئها بزيارة غير متوقعة ينافس بها مغامرات كابتن كوك في الأدغال ليصل إليها فى الموعد المحدد، تندهش من قدرته على استنفار قوته وتسخير كل قوى الكون فى صالحها دوماً، تندهش من إصراره على أن يراها وهو يعرف أنها ليست على ما يرام وربما تفسد الزيارة بحزن يخيم على أجواء نفسها من بلادة تلك الأيام।


..................................................................


"وانت الأمل فى العيون، والنشوة ساعة الجنون"



قبل أن يلتقط أنفاسه من تعب المشوار، ينظر لها ويسألها "هاه॥مالك بقى؟؟ أنا سامعك"
لا تحرك ساكناً وتظل تنظر له في بلاهة حقيقية، هل جاء كل تلك المسافة ليسألها ماذا بها؟

تنبهر من قدراته على أن يكون هكذا، يحتكر كل المرات الأولى ويصر على أن يكون أحلى تفاصيل حياتها।
................................................................
"واياك تكون زيهم، وتروح وتجرحنا"


في كل مرة تخطط فيها أن تحذره من أن يكون "زيهم ويروح ويجرحنا" يفاجئها بتصرف يشي أنه لا يعرف عن وجودهم فى الحياة، هو ببساطة لا يستطيع أن يكون "زيهم" لأنه ليس منهم।



يستميت في جعل تفاصيل اليوم لا تنسى، وتظل هي منبهرة، يخلق كثيراً من التفاصيل التي تجعلها تعتقد أن سخافات الحياة -ربما- حدثت لها فى حياة أخرى، وأن ثقل الأيام وقع في قاع محيط واسع ولن يستطيع النجاة لمضايقتها بعد الآن।


...............................................................



"دة انت الوحيد منهم، تقدر، تقدر تريحنا"


تبعث له برسالة نصية بعد أن يغادرها تخبره فيها أنه الوحيد الذي "يقدر يريحنا"।



........إنجي إبراهيم.........



* الجمل بين الأقواس من أغنية "بننجرح" لمحمد منير من ألبوم كان عمري عشرين.


الجمعة، 12 أغسطس، 2011

غرق

المشهد الأول :
ترتدي قميصه وتقف في صالة منزلهم تحت الثريا تماماً، تبدل عيناها بين إتجاهي الثريا والساعة، تفكر أنه تأخر جداً وأنها سوف تتألم عندما تسقط الثريا فوق رأسها مباشرة، صامتة تماماً وتعبث فى رأسها احتمالات عدة عن سبب تأخيره، ينقبض قلبها عند التفكير في حادث سير أو مشكلة صعبة جعلته يتأخر عن العودة للبيت، وتفكر في أن تلك الثريا مناسبة جداً للسقوط والتكسر مائة وعشرون قطعة على الأقل।
............................................................................
" أحياناً يبدو الواقع سيناريو ممتازاً لكتابة قصة مشحونة بمشاعر متضاربة، تفاصيل كثيرة تغمرك تماماً حتى تعجز عن التفكير المنطقي"
...........................................................................

المشهد الثاني:
ترتدي نفس القميص وتقف أمام مقعده المفضل فى الشرفة وتمسك بالهاتف، تخبره أن "تصدق؟؟ أنا النهاردة كنت واقفة مستنياك قدام الباب وناسية خالص انك مسافر وانك مش راجع النهاردة أصلاً، ولا بكرة، ولا بعده"
..........................................................................
" وأحياناً أخرى تغمرنا التفاصيل حتى نرى أوضح، حتى نعرف الفرق بين أن تكون أنت، وأن تكون آخر يتظاهر أنه أنت"
.........................................................................
المشهد الثالث:
ترتدي نفس القميص وتتمدد على الفراش وتنظر للسقف، تكتم أنفاسها تماماً عل الزمن يتوقف، تنظر للساعة وترى أن الزمن يمر، عقرب الدقائق لا يتوانى لحظة عن محاولة اللحاق بسرعة سريان الكون من حولها، تجرب أن تغمض عينيها أيضاً مع كتم النفس ربما لهذا تأثير ما، علها لا تشعر بالزمن الذي يمر بطيئاً في الغياب، تشهق بعد ثلاث دقائق وتفتح عينيها ذعراً لتجد أنه -فقط- مرت دقائق ولم يتغير شىء من حولها، لازالت في نفس اليوم، ومازال هو بعيداً جداً، ومازال البيت صامت للغاية।
.......................................................................
" لماذا لم يعلمونا أن نتخذ عدتنا عندما نوشك على الغرق فى التفاصيل؟ لماذا لم يخبرونا بضرورة النفس العميق والورقة والقلم في كل مرة غرق؟ لماذا لم يعلمونا أن للتفاصيل سحر الموت؟"
.......................................................................
المشهد الأخير:
بنفس القميص، تنهض وتتناول زجاجة عطره، ترش رذاذ خفيف في الغرفة وعلى الفراش، تطفىء الأنوار تماماً حتى لا تلاحظ أنه لا يحتل مكانه بجانبها، وتتمدد في الجانب المخصص لها، في العتمة يمكنها ألا تلاحظ الفراغ بجانبها، ولكن الظلام لا يمنع أذنيها عن التقاط صمت يحتله في الأيام الأخرى صوت تنفسه، تتزحزح بالتدريج حتى تحتل الجانب المخصص له فى الفراش وتغمض عينيها।


.............إنجي إبراهيم.........

الأحد، 7 أغسطس، 2011

عنها



أنا إنجي إبراهيم وكفى।


يطلبون مني أن أكتب تعريفاً بنفسي كي يكتب قبل تدويناتي التي فازت في كتاب المئة تدوينة، حسناً أنا لا أعرف سوى كوني إنجي إبراهيم، ربما أستطيع أن أكتب عن الكتابة، عما تفعله بي الكتابة، عما أعطته لي الكتابة وعما أخذته مني، ربما أستطيع -ببراعة- أن أكتب عن تلك التشكيلات الرائعة من الحروف والتي أعرف يقيناً أن لها حياة منفصلة عنا تحياها ببراعة، بغواية، بخبث وبمنتهى النقاء।

أعرف أنني أدمنها، تلك الكتابة المراوغة، أدمنها وأتنفسها وأحياها بالكامل، فرأسي لا تخلو من بشر يتكلمون وحكايات تبدأ وتنتهي داخل عقلي، كل ما يحدث حولي يحمل في طيته حدوتة ما، فتاة المقهى الهستيرية التي ما أن سمعتها تتحدث مع صديقها عن رفيقها وعن تفاصيل مخجلة بمنتهى الحماس والهستيرية حتى هتفت "هتكتب عنها قصة طبعاً"، فتاة المتحف، جرسون المطعم وغيرهم كثيرون، حكايات تمشي على قدمين، أتمنى لو حييتها جميعاً وكتبتها جميعاً، أتمنى لو أمكنني أن أنقل قلوب البشر للسطور كي نشعر بهم، كي نتألم ونفرح، كي نرتقى।



أنا الأخرى حكاية طويلة أكتبها باستمرار، أكتب في كل الحالات، الكتابة لي فى معظم الأحوال دواء، أكتب وأنا سعيدة كي أتأكد أنه ليس وهماً، كي يخرج من قلبي الحب حروفاً مكتوبة تؤرخ مشاعر، ربما أكتب وأنا حزينة، انثر على جرحي ملح الحروف كي تتعافى، أكتب وأنا مرهقة ربما أستنزف ما بقي من القوي كي أنهار تماماً وأعود قوية، أكتب كي أثبت للعالم أنني لازلت حية।


فلنعد للموضوع الأصلي، يطلبون مني أن أكتب عني، أود حقاً لو فعلت، أود لو اختصرت كل ما حدث ويحدث فى بضعة أسطر تلخص إنجي إبراهيم، ليتني أستطيع।


أعرف أنني سمراء وأنني طويلة وأنني عصبية للغاية ومتحمسة للدرجة التي تجعل البعض يعتقدون بشدة أننى شخص مبالغ فى ردود فعله وتصرفاته وانفعالاته، أعرف أنني أحب بشدة وأكره حينما يفيض بي تماماً، أعرف أنني أعتقد تماماً إنني كنت -فى حياة سابقة- إيزيس التى طافت البلاد بحثاً عن أجزاء حبيبها أوزوريس، أعرف أنني أعاني ثقباً في الذاكرة يتسع باطراد وأنني مسرفة جداً وأحب المانجو والمحشي وأستطيع الطهو وأستمع لفيروز وأحب دكتور أحمد خالد توفيق درجة العشق وأنني أفضل الدجاج على اللحم - معلش بقى- وأنني أفضل اللون الأبيض والأزرق وقد أحببت الفساتين مؤخراً।


أعرف كل هذا وأكثر ولازلت لا أعرف ماذا يجب علي أن أكتب عندما أود تعريف إنجي إبراهيم।


.......إنجي إبراهيم..........