السبت، 29 أكتوبر، 2011

موعد يومي للهروب


خطوتها سريعة وواسعة، تمشي وهي ناظرة للأرض حياءاً، حجابها طويل ولا ترتدي سوى جونلات واسعة، تتلمس إطار عويناتها طوال الوقت، تقطع المسافات كلها دون أن تفكر في الوقوف لأي هدف.

هي شابة، موظفة في مجلس المدينة، تقريباً لا تفعل شيئاً ذو قيمة، تخرجت في كلية مرموقة ولم تجد عملاً حكومياً سوى هذا، يتمسك أهلها بقطار الميري وقد أجبروها أن تتمرغ في ترابه. رضيت كما رضت من قبل أن ترتدي الحجاب كي لا تفترسها الكلاب الضالة، وكما رضيت أن تسيج حياتها حتى لا تقترب منها صديقات السوء، وكما رضيت بملابسها التي تجعلها غير مرئية كي لا "يطمع" فيها أحد الذئاب البشرية الذين يتجولون بحرية تامة.

حياتها مقسمة بين العمل والمنزل، تقرأ كثيراً جداً، تقريباً لا تتحدث مع أحد، دائماً ما تشارك في الحديث بعيون زجاجية تنظر من خلال الجالسين معها ولا تنظر لهم.

تعيش اليوم كله بانتظار اللحظة المرتقبة، اللحظة التي تغلق عليها باب غرفتها ليلاً.
.............................................................

شعرها أحمر صارخ، شفاهها مطلية بلون مثير وأظافرها سوداء بالكامل مع لمعة فضية تخطف الأبصار، ثوبها ذو حمالات رفيعة وينحسر عن ركبتيها بإصرار، ضحكتها مجلجلة ونظراتها تدعوك بمنتهى الوقاحة أن تقتحم مساحتها الشخصية.

لا يهم من أين جاءت، المهم أنها دائماً هنا، ترقص وتحادث أحدهم، ربما تضع يدها بدلال على رقبته وهي تحادثه، تجذب ياقة قميصه وتهمس في أذنه بكلمات يجذبها بعدها ويبتعدون عن الحشد.

.............................................................

ربما يكون إسمها هدى أو فاطمة، ليس هذا السمت الهادىء سوى أن يحمل إسماً وديعاً مثله. تجلس على طاولة الغداء بينما يخبرهم أخوها أن أحد زملائه استأذنه أن يزوره زيارة عائلية، يشير لأمه من طرف خفي أن تحفزها، تخبرها أمها أن عليها أن تتزين وتقابل زميل أخاها، تومىء برأسها في صمت وتنهي غدائها سريعاً وتدخل غرفتها.
.............................................................

ربما يكون إسمها فرانشيسكا، لابد لكل تلك الثورة والجنون أن يحملوا إسماً يصفع أذنك فتنتبه، يتودد أحدهم إليها ويضع يده على ركبتها، تضحك وتلتقط كأساً ترتشف منه ببطء وهي تنظر في عينيه مباشرة، تزحف يده إلى ما أعلى ركبتها قليلاً، تضحك بشراسة وتجرع ما بكأسها دفعة واحدة وتجذبه من يده ويغيبان عن الحشد.

............................................................

يجلس زميل أخاها في صالون بيتهم، يتكلم ويتكلم ويتكلم، يتحدث أنه سوف يأتيها بدبلة ومحبس، وسوف يشتري لها غرفة نوم جديدة ويعيد طلاء شقة أبويه، يخبرهم أن والدته سيدة عجوز ولن تزعجهم وأنها تحتاج للخدمة، يخبرهم أنه سوف يلبي لها كل طلباتها "هيشيلها على كفوف الراحة".

تتسع ابتسامات أهلها كثيراً بينما تتسائل هي، هل عندما يتزوجها سوف تشاركه نفس الغرفة؟؟ ألن تحظى بفرصة أن تختلي بنفسها في نهاية كل يوم كما تفعل؟؟

تفيق على "زغدات" أمها لها وتفهم أنها لابد أن تبتسم، يثني عى حيائها كونها لم ترفع عيناها ناحيته طوال الجلسة، طالت السهرة واقترب موعد نومها جداً، استأذنت وسط ذهول أهلها ودخلت غرفتها وأوصدت الباب.

.....................................................

تسأل البارمان أن يصب لها كأساً أخرى، تجول بعينيها وسط الحاضرين وتشعر بأحدهم يحاوط خصرها بيديه، تلتفت وتطلق ضحكة مائعة مازحة، ثم تقترب منه أكثر، اليوم ترتدي ثوب فاضح حتى بالنسبة لملابسها المعتادة، كلماتها لرفيق الجلسة غير واضحة لأن الموسيقى عالية جداً، يخرج لها ورقة من فئة المئة جنيه ويكتب لها عليها عنوانه، تأخذها منه وتعطيه قبلة طويلة في المقابل وترحل.
....................................................

لابد للخطبة أن تكون "على الضيق"، فلا هو يستطيع تحمل تكلفة حفل ضخم ولا أهلها يستطيعون، تجلس في صالون بيتهم بجواره وتحاول جاهدة أن تتذكر إسمه، يقترب المهنئون وتنطلق الزغاريد، يلتقط أخاها العديد من الصور بكاميرا هاتفه المحمول.

تنظر أمامها راسمة ابتسامة هادئة على شفتيها تعتصر ذهنها في محاولة تذكر إسمه ولا تفلح، يقوم هو ليخرج للشرفة ويترك "الحريم" ليستجوبوا والدتها حول ملابسات الخطبة ولكي يشبعوا مدحاً في ثوبها و"لفة الطرحة" وكي يقيموا ثمن الدبلة والمحبس.

تستأذنهم وتقوم وسط ذهولهم الشديد، تدخل غرفتها وتغلق عليها باب الغرفة.

....................................................

يدخل أخوها الغرفة ليجدها تخفي أوراقاً تحت مرتبة السرير، يستجوبها ويظن أنها تخفي خطابات غرامية كتبتها لأحدهم وتود التخلص منها، يعلو صوته ويجذب ذراعها بعنف، تقاومه وللمرة الأولى تجرؤ على الصراخ بوجهه، يزداد إصراره على معرفة فحوى الأوراق وتدخل أمهم مولولة ناعية الفضيحة التي هم بصددها.

يأخذ منها الأوراق عنوة ويفتش فيهم جميعاً فلايجد سوى رسومات متقنة، تنهرهم أمهم وتجذبها من يدها لتخرج بها للمدعوين.

تخرج معهم وتلقي نظرة على أرضية الغرفة التي امتلأت بمشاهد لحياة فرانشيسكا وتتعلق عيناها بآخر صورة، وتعرف أن فرانشيسكا لن تتمكن أبداً من الذهاب للعنوان المكتوب على المائة جنيه.


.........إنجي إبراهيم..........

الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

فقط للتسجيل..أو صفحة من مذكراتي


تستهويني قراءة النصوص الشخصية، أبحث بشغف عن نص يحكي وقائع حياة بطريقة عذبة، مع أنني لست بارعة في كتابتها، يمكنك أن تتهمني بحب التلصص، ولكنني أشعر أنني أحيا حيواتهم وأنا أقرأ، في نفس الوقت أنا لا أستطيع أن أتحدث عني في نص دون أن أشعر بالسخف الشديد، وأنني أضعت مقدار "3 جنيه كهربا" في كتابة غثاء لن يقرأه أحد لأنه لا يهم أحداً.

أحياناً تتملكك رغبة شديدة في البوح، البوح لوجه البوح لا أكثر، يمكنني تحت وطأة ذلك الشعور أن أحكي عن كل شىء.

مثلاً يمكنني أن أحكي عن أنني التزمت بحمية غذائية بدءاً من اليوم، ليست تلك المرة الأولى التي أجرب فيها الريجيم، جربته من قبل ونجح بشدة، أعرف أنني أصلاً لا أفشل، أنا شخص غير قابل للفشل، ربما "أستهبل" أحياناً وأولول ناعية حظي الهباب ولكنني لا أفشل، تلك خصلة ليست حميدة بالمناسبة، ألا تقبل بالفشل يعني أنك سوف تضيع "شوية وقت محترمين" مجرباً أن تنقذ علاقة / صداقة / عمل مدة صلاحيتهم انتهت، كأنك بإصرار وحماس تجرب أن تصلح غسالة أوتوماتيك مستخدماً إبرة كروشيه.

كنت أقول أنني لا أفشل، أنا أصلاً لا أحتاج الريجيم بشكل ملح، ولكنني أحتاج أن أحكم السيطرة، أحتاج أن أشعر أن الأمور "أندر كونترول يا بوص"، هنا يجب أن أعترف أنني شخص يعشق السيطرة وأن تجري الأمور كما خطط لها تماماً، وتلك مشكلة أخرى.

يمكنني أيضاً أن أحكي عن زيارتي "الأولى" للأهرامات / القرية الفرعونية/ دار

أوبرا القاهرة، اليوم الذي يستقر بوداعة في أهدأ مكان بالذاكرة، ليست المشكلة أن تلك كانت أول مرة لي في تلك الأماكن، ولكن "الفولة" أنها كانت معه.

مممممم، أحتفظ بتذاكر دخول الهرم، الهرم الذي لم أستطع استيعابه تماماَ، والذي لم أستطع أن ألتقط أي صور قربه لإحساسي أن "مينفعش كل دة يتحبس في صورة".

أستطيع أن أحكي عن فقداني الوعي في حجرة الدفن بعد صعود ما يقرب من 21548752154875122 متر "رقم تقريبي لا يقصد به سوى المزاج"، وما تلا ذلك من أحداث أتحمل مسئوليتها بالكامل "جري وخضة ومحاولات مستميتة لإفاقتي"

أحكي عن التذاكر التي احتفظت بها وكتبت عليها "الحاجات الحلوة" أو عن تذاكر دخول القرية الفرعونية التى احتفظت بها لسبب واحد "السبب جملة مكونة من كلمتين"، عن تذكرة السوبر جيت "برضو مكتوب عليها حاجات حلوة"، أو عن لقطة موقف سيارات القرية الفرعونية "بس ملقيتش حاجة أكتب عليها فكتبت على الورقة الكبيرة"، شوكولاتة مارس، جولة نيلية، فيروز، وأشياء أخرى.

يمكنني أن أكتب عن أيام قضيتها أحمل هماً شديداً وأدعو برفق عل الله يستجيب، عن جملة "تم يا إنجي" التي كان لها وقعاً ساحراً جعلني لا أستطيع غلق فمي من الابتسام لمدة ساعتين كاملتين، عن وجهي لحظتها عندما تيقنت أن الكرب –تقريباً- إتفك.

يمكنني أن أكتب عن لحظات فقد القدرة على التفكير المتعقل في أي شيء، عن حلمي الذي حلمته أمس بزميلتي في العمل وجاءت اليوم لتحكيه "متعودة انى احلم بحاجات وتتحقق عادي يعني"، عن أن الشاي بلبن أصبح أحلى منذ الأمس لأسباب غير معلومة، عن الصباحات التي أشتعل فيها غيظاً لأنني لا أتلقى "صباح الخير" لائقة.

عن أنني أقرأ بنهم تلك الأيام، أقرأ وأستمتع جداً، أقرأ وأستمتع وأبعث للمترجمين أسبهم عن جرائم اقترفوها في حق نصوص رائعة بحق، عن مبلغ مالي محترم تم إنفاقه بنفس راضية جداً على عدد محدود من الكتب دون الإحساس بأي ضغائن.

يمكنني أن أسود صفحات كاملة كلاماً عن حياتي الشخصية، وكم أنني مترقبة وقلقة وسعيدة، وبعمل ريجيم وبحب.

يمكنني أن أحكي عن كل هذا، ولكنني لست بارعة في كتابة النصوص الشخصية، لذلك لن أحكي.


.........إنجي إبراهيم.......

الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

أدوار


أنا الراوي الكلي القدرة في الأحداث، أنا الذي يرى من منظورأوسع يجمع كل دقائق المشهد التي لا يستطيع القارىء تخيلها وحده، في السينما أنا عين المخرج، أنا وجهة النظر، أنا الاتجاه الذي يريدك الكاتب أن ترى منه الحدث.

وأنا من يستطيع أن يخبرك من موقعه عن كل الموجودين في المشهد.

أستطيع أن أخبرك عن تلك العروس التي ينقلون "عفشها" على العربة نصف النقل، الأثاث متواضع، فقد غذاني الكاتب بمعلومة أن العروس من أسرة فقيرة وسوف تزف إلى بائع فول فقير بدوره.

هنا يمكن للكاتب أن يجعلني أخبرك شيء من اثنين، ربما يجعلني أقنعك أن الحياة قاسية جداً، فالفقر عندما يتزوج من الشقاء لا أقل من أن ينجبا التعاسة، ويجعلني أتبنى وجهة النظر تلك وأنقلها لك، أو يمكنه أن يجعلني أخبرك أن الحياة مازالت بإمكانها أن تكافئنا، الفقراء أيضاً يستطيعون الزواج، حتى بإمكانات محدودة.

حسناً، فلتختر وجهة النظر التي تروقك ولتتبعني إلى شخوص المشهد.

هل ترى تلك السيدة التى ترقص، حسناً سوف تفاجىء عندما أخبرك أنها ليست خالة العروس، ولا هي زوجة خال العريس، هي فقط جارة مصاب زوجها بسرطان الرئة منذ بضع سنوات، لديها ولدان، يستيقظون جميعاً -مع سكان الشارع- على صرخات زوجها من الألم كل يوم.

تلك الجارة ترقص في كل المناسبات، في كل مرة تزف إحدى فتيات الشارع، أو حتى تقرأ فاتحة شاب ما، حتى تراها ترقص بعبائتها المتسخة التي تخرج بها لتبيع الخبز ولتنشر غسيل الجارات العاملات وتتقاضى أجراً ضئيلاً يساعدها وزوجها، تلك الجارة تتدخل في كل شىء، كل مناسبة تجدها موجودة، بنفس العباءة الخضراء المتسخة -ربما تغيرها أحياناً بأخرى بنفسجية اللون- ترقص بحماس.

تلك الجارة تجدها أحياناً تبكي على قارعة الطريق، تشكو أعمام أولادها أنهم لا يساعدوها أبداً، تشكو أن زوجها يزداد مرضه ويحتاج المزيد من الأدوية في كل يوم، تشكو من كل شىء، ثم تمسح دموعها وتنضم للفرح المقام، وترقص.

أخبرتك أنني أنا الراوي الكلي للأحداث، ولكنني سوف أتحايل معك -أيها القارىء- على الكاتب ولن أجعله يحكم على تلك المرأة، لن أجعله يجعلك تتعاطف أو تنفر، للمرة الأولى يتحكم القارىء في الكاتب، أنا سوف أساعدك فقط وعليك أنت أن تقرر.

وبما أنني الراوي كلي القدرة، يمكنني أيضاً أن أخبرك عن عازف المزمار البلدي، ذلك الرجل الوسيم ذو الجذاء اللامع، شعره مصفف بعناية ويتلفع بشال تم كيه جيداً جداً، يختال بجلبابه الواسع ويعزف على المزمار أغنيات مبهجة، يشير للشاب الذي يتبعه إشارات ذات مغزى فتختلف النغمة، ربما يعزفان "يا نجف بنور يا سيد العرسان" وربما في إشارة أخرى يعزفون "كايدة العزال أنا من يومي".

هذا الرجل لا عمل له سوى تلمس أخبار الأفراح المقامة في الشوارع كي يحييها بمزماره، عشر دقائق لا أكثر، يخرج منها بما يجود به المدعوون، ربما يخرج ببضع عشرات من الجنيهات، وربما لا يخرج بشىء على الإطلاق، في كل الأحوال لا يتذمر، لا يشكو بخل أهل الفرح.

يمكن لك أن ترى هذا الرجل على المقهى، يشكو زوجته التى ترى أنه لا يفعل شيئاً ذو قيمة، يشكو عدم تفهمها لسحر المزمار، يشكو أنها لا ترى معه سحر أن ينظر للبلكونات في الشوارع ويرى عيون البنات متعلقة به متمنية أن يأتي بشاله الأبيض يوماً ما وينفخ في مزماره أغنية "على ورق الفل دلعني".

وبما أننا قد اتفقنا أننا -أنا وأنت- سوف نأخذ دور الكاتب ونتحكم في الشخوص، لن أصدر لك أي حكم أخلاقي على عازف المزمار، فلتنتقي وجهة نظر تروقك، إختلف معه أو اتفق، وتعال لأخبرك عن هذا الشاب على اليمين.

ذلك الشاب الواقف أعلى العربة، هو أخو العروس، لا أعرف عنه الكثير، ولكن ابتسامته الخجلى تلك عندما طالبوه أن يرقص تشي أنه من فئة الفقراء الذين تم تربيتهم جيداً.

يمكنك أن ترى هذا الشاب يقف في الشارع يدخن سجائر محلية الصنع ويتبادل مع رفاقه كلمات قليلة ثم يصعد بيته لينام، يمكنك أن تحصر حياته في ذلك المشهد فقط، ذلك هو متنفسه الوحيد بعيداً عن مصنع الملابس الذي يعمل فيه "مقصدار".

باقي شخوص المشهد لا يهمك أن تعرف من هم، وجوه تقابلها كثيراً جداً، والكاتب لم يخبرني بأي شىء عنهم.

الآن قد وصلنا للنقطة التي يجب على الكاتب فيها أن ينهي النص، وبما أننا -أنا وأنت- اتفقنا أن نخدعه، سوف ننهي حوارنا هنا، ولنتركه يلعب بشخوص النص كما شاء.


...........إنجي إبراهيم.............

الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

ميراث الخسارة


كان يجب أن تكون الرواية على تلك الدرجة من الحرارة والحرقة، كان يجب أن تكون حريفة وساخنة وحميمة.

ميراث الخسارة، تلك الرواية التي تلتهمك بالكامل لتنقلك في زيارة قوامها ربعمائة وتسعة عشر صفحة للهند. الهند الحقيقية تلك التي تزدحم بأحلام ويوميات شعب أسمر حار الدماء متقلب.

كيران ديساي، الكاتبة الهندية التي نجحت في ألا تثير نفوري رغم الفقر والجهل والخزي والقلاقل التي تفعم الرواية كانت تستحق عن جدارة جائزة البوكر الدولة لعام 2006.

في الرواية سوف تفعم أنفك رائحة البهارات الهندية وسوف تأخذك بالكامل علاقة "ساي" و "جيان" الغضة الممتلئة رغبة وبراءة، الشابة المحبطة اليتيمة المكروهة والشاب الفقير المحبط، يكتشفان نفسيهما للمرة الأولى معاً. تمكن الكاتبة من نقل أحاسيسهما الجديدة ودهشة ساي من اكتشاف نفسها للمرة الأولى، تدخل بك "كيران" إلى قلب ساي لتتعرف نفسك هناك، ربما تجد نفسك في موقف ساي، ربما تكتشف أنت الآخر أنك بصدد اكتشاف آخر، هو أنت بكل بساطة.

عمق شخصية القاضي وعناده وغروره المقيت، شخصيته الضعيفة التى داراها طوال حياته كما كان يداري سمار وجهه بمساحيق التجميل، كراهيته لنفسه والتي تنعكس بوضوح أسطوري في كراهيته للبشر، تأنيب ضميره المستمر والذي منعه من أن يتواصل مع أحد سوى كلبته "مات" التي يفقدها في النهاية جراء بغضائه الشديد.

صفعتني الرواية صفعة قوية وأنا أقرأ عن قلاقل الهند وعدم استقرار الأوضاع الأمنية بين الهنود والنيباليين، ذكرتني بشدة بما يدور الآن في مصر، نفس الصورة المظلمة على نطاق أوسع، انقبض قلبي كثيراً وأنا أقوم بحساب الوقت المتبقي حتى تلحق مصر بالهند في وضعها المذري.

يمكنك أن تربط بيننا وبينهم عبر الحديث مع شاب مصري يريد السفر والهجرة، سوف ترى فيه ملامح "بيجو" الشاب الهندي إبن الطباخ الفقير المتملق الضعيف، بيجو الذي أحرقه شوقه لوطنه والذي شوهته "ماما أمريكا" ولم يطق صبراً حتى يقنع نفسه أنه سوف يعود لتنشق رائحة الهند مرة أخرى، فيستقبله الهنود بالسرقة ويعيدوه خالي الوفاض تماماً لأبيه الذي دفعه للسفر. تناقش كيران عبر شخصية بيجو رؤيتها في أن الهجرة للضعفاء الذين يتهربون من وخز الضمير ويتنصلون من جريمة الانتماء.

الرواية مليئة بمشاعر إنسانية غضة، الحميمية في أبسط صورها، تمكنت كيران ببساطة أن تعيد عمل ميكانيزم الإحساس لدي بسهولة، لغتها سهلة وتعبيراتها تنفذ للداخل مباشرة دون تعقيدات.

نقلت كيران الصورة كما أملاها عليها ضميرها الهندي، لم تتفنن في خلق معاناة من الفراغ، ولم تصدر لنا صورة الهند ذات المهرجانات والألوان المبهجة على طول الخط.

بقى أن أقول أن الرواية نشرت تحت رعاية الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة الجوائز، الإصدار الرابع والأربعون وثمنها - فقط - عشرة جنيهات.

صدقني إذا أنت قرأت ميراث الخسارة، لن يورثك ذلك إلا إحساساً وتعاطفاً ونبلاً شديداً.

...........إنجي إبراهيم..............

الأحد، 16 أكتوبر، 2011

حمى حنين


" أعطني الناي وغني، فالغنا عدل القلوب"

تضع مشغل الموسيقى فى أذنيها وتستمع لفيروز وهي تقرر أن الغنا عدل القلوب، دائماً تستمع لتلك الأغنية تحديداً في نسختها المسجلة من حفل لست الحب والجمال، تأسرها اللحظة التي يبدأ فيها الحضور بالتصفيق، تتخيلهم عندما رأوها تهل عليهم بتاجها اللامع وعيناها اللوزيتان، لابد أن يصفقوا بالطبع، وفي كل مرة تختلس لحظات تصفق فيها معهم، حتى لو تصفيق مكتوم، تشعر كأنها تشاركهم "خضة" أن يروا فيروز تتجلى.
...............................................................

"الأمنية اللي عمرها ما هتتحقق، إنى احضر حفلة لفيروز"

لا تعرف إذا كانت الرعشة والإحساس القاتل بالبرودة بوادر دور برد قوي أم أنها أعراض لحمى الحنين، أطرافها باردة جداً وشعور قوي أن الثلج يتكاثف حول عمودها الفقري، صداع يلف الرأس ورغبة شديدة في أن تهذي حتى البكاء.

برد قارس ذلك الذي يحكم قبضته عليها، كأن هناك وحشاً ثلجياً أبيض اللون ينفخ أنفاسه الباردة تحت جلدها، يكاد الدم يتجمد، أم تراه تأثير مكيف الهواء؟؟

صداع شديد مصاحب لحالات الحمى يلف رأسها، هل لحمى الحنين نفس المواصفات؟؟

.............................................................

" النسكافيه دة إسمه بلاك؟؟ انتوا بقى بتشربوه بلبن ليه؟؟ ايه الدلع دة؟"

ما نسبة ألا تتفوه بألفاظ نابية عندما يحكم الكون قبضته حول رقبتك ويمنعك من التقاط الأنفاس؟؟ يتركها " الأوفيس بوي" تصنع لنفسها كوباً من النسكافيه الدافىء بل ويتهكم ويتهمها بمنتهى الدلع.

دون أن تحول وجهها ودون أن تلتفت له، تناولت عبوة النسكافيه وبحثت عن طريقة التحضير، ثبتت إصبعها عند جملة "ثم يضاف الماء أو الحليب" وناولتها له دون أن تتكلم.

.....................................................................

" بتسيبي بواقي فى كل الكبايات، إشمعنى النسكافيه؟"

تبتسم وتشعر بالبرد أكثر.

.................................................................

" أعطني الناي وغني وانسى داء ودواء، إنما الناس سطور كتبت لكن بماء"

فلتحل اللعنة بكل أجهزة التكييف في العالم، ذلك البرد القارس والوحشة المؤلمة، حتى النسكافيه لا يستطيع التدفئة، وهي لن تستطيع حضور حفلة لفيروز، والهاتف صامت جداً.

هل أخبرها يوماً أن فيروز سوف تقيم حفلاً في مصر في شهر سبتمبر؟؟ تريد أن تتأكد ولا تستطيع، الصقيع لابد أنه تكاثف حول أبراج شبكات المحمول، لابد أن هذا هو ما جعل الهاتف صامت جداً.

هل مكيفات الهواء تؤذي القلب كما تؤذي الجسد؟؟ تتسائل أثناء محاولة خرقاء لنفض الإعياء عن ذهنها، حمى شديدة وبرد يلف كل شىء.

..................................................................

" فالغنا عدل القلوب"

تقرر أن تنهض لتطفىء أجهزة التكييف، تقف أمامه وتضغط على الريموت عدة مرات، البرد لا ينسحب، ربما يزداد كونها تقف في مواجهة المكيف تماماً، تضغط مرة أخرى ثم تسمع صوت "الأوفيس بوي" من خلفها يخبرها أن " حطي الفيشة الأول وهو يشتغل، أصله مطفي من امبارح".




..........إنجي إبراهيم.............





الأربعاء، 12 أكتوبر، 2011

اضطراب


تجلس على المقعد الأقرب له، تستمع إليه وهو يشرح كيف يمكنها أن تنسق صفحات برنامج الوورد وكيف يمكنها أن تقوم بتكبير الخطوط وتصغيرها إلى آخر هذا الكلام الذي لا تفقه -ولا تريد أن تفقه- فيه شيء، تعطي ظهرها لباقي الزميلات وتتوجه ناحيته، تسأله كثيراً ويجيب عليها بسعة صدر تزيد من تعلق عينيها به.
.......................................................................
- إحنا هنروح ناخد كورس كمبيوتر عشان محتاجينه في الشغل، تعالي معانا أهو تشغلي وقتك.
- طب انتوا بتشتغلوا هاخده أنا ليه؟
- عشان لما جوزك يسافر تدوري انتي كمان على شغل، بدل قعدة البيت دي.
......................................................................
تلقي دعابات خفيفة وتنظر لوجهه في ترقب، وسيم هو، في الحقيقة هو وسيم جداً، خفيف الظل يرتدي ملابس بسيطة ويدخن بشراهة. هي أيضاً جميلة، بيضاء ممتلئة عيناها واسعتان وشفاهها وردية اللون دون طلاء، تتكلف قليلاً في ملابسها كي يظهر جمالها كما ينبغي أن يظهر، إكسسواراتها دائماً ما تعطي جسدها بهجة تراها حسداً في عيون زميلاتها.

تسأله عن كيفية تظليل الكلمات في نص يحتل صفحة وورد، يخبرها فلا تستطيع التنفيذ، يقترب ويبدأ في الشرح على شاشتها، تعترف داخلها أن عطره أخاذ، تغلق عينيها لثانيتين وتستنشق العطر مرة أخرى، ربما سحره يكمن فى اختلاطه برائحة سجائره. تمد يدها تلقائياً للإمساك بالفأرة في حين أنه لم يتركها بعد، يجفل من الحركة الغير متوقعة وينظر لها في استفسار فتبتسم بخبث وتدير وجهها ناحية الشاشة وتطلب منه أن يكمل الشرح.
.....................................................................

- طب انتي بيغمى عليكي كدة كتير؟
- مكنتش كدة أبداً..من ساعة ما اتجوزت بس..شكلي اتحسدت.
- إنتي متجوزة من زمان؟؟ شكلك لسة صغيرة.
- لسة مكملتش سنة.
...................................................................

ينفك الجمع من حولها بعدما تفيق ويعودون للاستماع له مرة أخرى، تظل تراقب وجهه لترى تأثير إغمائتها عليه فلا يمكنها استنطاق ملامحه، تريح رأسها على مسند الكرسي عدة مرات وتنظر له ربما تنطق عيناه بأي هلع، لا فائدة إطلاقاً، فقط سألها مرة قبل أن يستأنف الشرح إن كانت بخير.

تسأله في صوت واهن كيف يمكنها أن تعطي الصفحة إطاراً، وكالعادة يخبرها فلا تستطيع أن تنفذ فيقترب ويستخدم شاشتها، تبتعد بكرسيها عن الشاشة لتوسيع المجال له، يقترب ويبدأ في الشرح، تقرب الكرسي مرة أخرى ولا تنظر له وتبدأ في سؤاله أسألة لا تنتهي، يتحرج من اقترابها الشديد من جسده ويلخص إجاباته، ينظر لها فى كراهية وتنظر له فى انكسار، ثم يبتعد.

....................................................................

- يا بنتي مالك مكتئبة كدة..المفروض تكوني مبسوطة..الكورس اللي مش فاهمة منه حاجة قرب يخلص..وللا كل دة عشان جوزك قرب يسافر؟
- آه أكيد عشان قرب يسافر.
- طيب عموماً مش لازم تكملي المحاضرة، أنا اتصلت بيه وقلتله انك أغمى عليكي المرة دي كمان، وزمانه جاي.
- شكراً.
...................................................................

تدخل القاعة لتستأذنه فى الانصراف، يعطيها موافقته دون أن ينظر لها، تقترب أكثر وتلقي دعابة فينظر في ساعته يستحثها على الانصراف وتركه ليستأنف عمله، تجمع حاجياتها وتلتقط الكشكول والقلم، يسقط منها أمام قدميه ولا يعيرها هو أي اهتمام، تنحني لتلتقط القلم من أمامه تماماً ثم تنظر له في خجل يراه في عينيها للمرة الأولى، وترحل.

...................................................................

يدخل القاعة رجلاً تخطى العقد الرابع بقليل، أصلع الرأس تقريباً عيناه ضيقتان ووجهه أحمر ويلهث بشدة جراء تكوينه الجسماني الغير متناسق، يرتدي ترننج أصفر اللون غالي الثمن وساعة أنيقة كلاسيكية باهظة بدورها، على ملامحه طيبة شديدة تساعدها ملامحه الغريبة في أن يبدو لأول وهلة من ذوي الإعاقات العقلية حتى يبدأ في الكلام فتكتشف أنه اختير ليكون ضحية عيب خلقي يعطيه مظهراً غريباً بينما هو صحيح العقل تماماً.

يبحث بعيناه في أرجاء المكان، ثم يتوجه ناحيتها هاتفاً " إيه يا ماما مالك؟" تنظر له لحظات ثم تنفجر في البكاء.


........إنجي إبراهيم.............

الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2011

إليها بعد ثلاثة وعشرون عاماً بالتقريب


إبنتي ،

أمام هذا الخطاب ما يقرب من الثلاثة وعشرون عاماً كي تطالعة عيناكي، اللتان أثق في أنهما جميلتان، لن أدعك تقرأيه طفلة لا تفهم حجم ما يخبرها به الكبار، ولن أجعلك تقرأيه مراهقة لا تستطيع مشاعرها ممارسة فعل الفرملة، يجب أن تكوني شابة تخطيت الواحد وعشرون عاماً حتى أخبرك بما جرى.

هل ترين الصورة المرفقة بالخطاب؟؟

تلك الباكية هي فيفيان، والجسد المسجى بجانبها هو مايكل خطيبها، كما ترين فيفيان تحتضن يد مايكل وتبكي، يمكنك بعد كل هذا العمر أن تسمعي الصراخ الخارج من الصورة، هل تسمعين نبضات قلبها الذي تضع يد ما يكل عليه للمرة الأخيرة؟ هل أنت أذكى مني وأوسع أفقاً لتخبريني كيف تشعر فيفيان؟ لأنني -والله العظيم- لا أتخيل ولا أستطيع استيعاب المشهد.

كنت أنا آخر جيل لحق بما تبقى من جملة "الدين لله والوطن للجميع"، أنا تقريباً آخر جيل لعب مع دينا التي أرتني صورة ربها في كتاب الدين المسيحي خلسة في حصة ميس وفاء، آخر جيل صادق فيه المسيحيين المسلمين بلا تساؤلات "مقرفة"، أنا آخر جيل لم يجد غضاضة في أن يرتدي سلسلة مفتاح الحياة دون التفكير في أنها تشبه الصليب، وآخر من اشترى الإنجيل من معرض الكتاب دون أن يخاف من أن تستنكر العيون الفعلة الشنعاء، أنا من الجيل الذي صدق دميان ومجد الدين وصداقتهم الأسطورية في روايات ابراهيم عبد المجيد.

أنا من آخر جيل سمى فيه المسلمين بناتهم بإسم إنجي دون تقريع من أحد.

أنا الجيل الذي عاش "يصهين" على الاحتقان الطائفي وينكر وجوده بشدة، أنا من الجيل الذي كان يتصل بعادل صليب كل كام شهر ليعزيه في ضحايا تفجيرات للكنائس وبعدها ضحايا لتبادل ضرب نار وبعدها للتعزية في ضحايا الجيش المسيحيين الذين تظاهروا لأنهم طالبوا بأن يبنوا دوراً للعبادة.

أنا من الجيل الذي تحمل فيه المسلمين مغبة أن يقول للمسيحيين "my name is khan and i'm not a terrorist" وتحمل ألا يصدقني الكثيرين، أنا من الجيل الذي بح صوته ينادي أن "اللي بيعملوا كدة ميفهموش حاجة فى الإسلام"، أنا من الجيل الذي ثقل قلبه بما يحدث ولم يجد ما يفعله سوى أن يولول على فيفيان في صمت أثناء البريك وأن يجدني الأوفيس بوي أبكي بحرقة دون سبب واضح في الصباح الباكر وأنا أنظر لشاشة الكمبيوتر.

ابنتي، أنا أرتدي اليوم بنطلون بني اللون وقميص أبيض وإيشارب بلون القهوة، في حقيبتي مصحف ومسبحة ولا أستطيع الالتزام بالصلاة طوال الوقت، أحمد الله كثيراً وأردد طوال الوقت جملة "البقاء لله"، لست متدينة جداً ولكنني أعرف حدود الله، أعرف أن ما يتحمله المسلمون قوي جداً، أعرف أن "وشنا إسود م المسيحيين" وأعرف أن الله سوف يعاقبني لأنني لا أجيد تحسين الصورة، ولا أستطيع مساعدة فيفيان ولم أستطع الحفاظ على حياة مايكل.

أنا مذنبة في حق نبيي محمد عليه الصلاة والسلام لأنني لم أوصل رسالته كما ينبغي، لأنني لم أستطع أن أمنع زميلي في العمل من التريقة عندما وجدني اشتريت إنجيل، ولم أستطع أن أحاجه كما ينبغي لأن فهمي قاصر، أعرف أن الله غاضب مني لأنني لم أستطع أن أخرس مديرتي التي تبغضني بلا سبب واضح عندما قالت لي أن "بس دة كفر ودة كتاب متحرف" ولم أرد عليها بنصوص تسكتها واكتفيت بأن قلت لها "أنا بتكلم في إنسانيات، مش من حقك تتريقي على معتقدات حد أياً كانت، ومينفعش يبقى معدي من جنبك واحد مسيحي ويسمعك بتتريقي على دينه".


والآن، هل يمكنك أن تكفي عن النظر لصورة فيفيان ومايكل وتخبريني لماذا تبكين بحرقة؟؟؟؟؟


........إنجي إبراهيم.........