الثلاثاء، 8 نوفمبر، 2011

مذكرات جارة طيبة


" أن يورط المرء نفسه في شخص محروم للأبد، يعني أن تتحمل ثقلاً من الذنب، إنهم يحتاجون الكثير، وأنت تستطيع أن تعطي القليل"

لم تكن تلك جملة افتتاحية للرواية، ولا حتى لحظة فارقة فيها، هي فقط جملة تحتل الصفحة رقم ربعمائة وثلاثة عشر من تلك الرواية العبقرية "مذكرات جارة طيبة" لدوريس ليسنج والتي تمتلىء بجمل شبيهة تتلمس أوتار روحك برفق.

دوريس ليسنج -بالفعل- لم تكن أقل من أن تحصل على نوبل فى الآداب، تلك الكاتبة المليئة بالغضب والقلق والدفء، طاقة من الحكي تبهرك وتشدك نحوها لتغرق في كل التفاصيل التي تحكيها وتستمتع بها.

لم تكن تلك المرة الأولى التي أقرأ فيها لدوريس ليسنج، كانت تجربتي الأولى معها في رواية عبقرية تحمل إسم "الطفل الخامس" سوف أتكلم عنها باستفاضة لاحقاً، اليوم أحكي عن تجربتي الثانية معها "مذكرات جارة طيبة" التي تتقمص فيها دوريس دور المحررة الصحفية جين سومرز التي فقدت زوجها وأمها بلا أي مشاعر فقد حقيقية، جين التي تتعامل مع كل شيء عدا نفسها بمنتهى العملية، لا يهمها شيئاً سوى أن تعيش حياة كاملة تهتم فيها بكل شيء يخصها.

جين التي تمثلنا جميعاً، أنانيتنا المفرطة في حماية أنفسنا من الوجع دون لؤم، إستطاعت دوريس ليسنج أن تنقل لنا شخصية جين سومرز الطيبة الخائفة من الوجع مما يحملها أن تتخلى عن كل الإنسانيات وتستغرق في عملها وحمامها اليومي وفساتينها الأنيقة، وتتخطى فقد الأحباء بلا ذرة وجع واحدة.

جين التي ينقلب فيها كل شيء عندما تقابل مودي فاولر، جارتها المسنة الفقيرة العنيدة، تفرغ فيها جين كل شحنات الطيبة المخزنة داخل جيناتها، تعتني بها وتنظفها، تحممها وتحمل عبء رعايتها وترى فيها أمها التي لم تهتم لأمرها وفريدي زوجها الذي لم تمسك بيده مرة واحدة وهو يصارع المرض ويحايل الموت.

مودي فاولر، إستطاعت دوريس ليسنج عبرها أن تنقلنا بالزمن لنشاهد أنفسنا حين نكبر، هل سوف نكون واهنين للدرجة التي تجعل مودي تبول في ملابسها وتجعلها غير قادرة حتى على النهوض لجلب كوب ماء؟

مودي فاولر، هي الخوف الكامن بداخل كل منا أن تضيع حياته هباءاً، هي كل ما نحارب من أجله ونحن شباب، صراعنا تجاه الحياة لنحصل على الشريك المناسب، أن نحب وننجب أبناء، أن نغترف من الحياة بكلتا يدينا تحسباً لما سوف يحدث لاحقاً.

مودي فاولر وجين سومرز، وجهانا اللذان نقرأهما عبر رواية "مذكرات جارة طيبة"، الرواية التي اجتهدت دوريس ليسنج فيها أن تنزع غشاوة الأنانية عنا جميعاً، أن تأخذنا من أيدينا لتطرق باب الوهن قبل أن يطرق هو أبوابنا، أن توجه رؤوسنا ناحية فئة من المجتمع نتحاشاها جميعاً تجنباً للألم مهما كان داخلنا من طيبة.

دوريس ليسنج، تلك الكاتبة المبدعة التي أهدتنا رقة قلوبنا مغلفة بالعتاب الرقيق عبر حروف روايتها العبقرية، الرواية التي ظلمتها الهيئة المصرية العامة للكتاب عندما نشرتها تحت ترجمة رانيا خلاف، تلك الترجمة التي تعتبر بمثابة جريمة شنعاء وتشويه متعمد لرواية لم تكن تستحق تلك الجريمة البشعة التي طالتها.

ترجمة أقل ما يقال عنها أنها غير أمينة بالمرة، ترجمة شوهت جمال الرواية وعذوبتها، رانيا خلاف مترجمة لا أعرفها إطلاقاً ولا أعتب على عملها بوجه عام لأنني -ببساطة- لم أقرأ لها سوى ترجمة "مذكرات جارة طيبة" لحسن حظي بالطبع، ولكنني أتعجب من استهتار الهيئة الشديد بجودة إخراج الكتب وعدم دقتهم فى اختيار المترجمين لروايات بقيمة وأهمية سلسلة الجوائز لا سيما أن الروائية التي نحن بصددها حاصلة على جائزة نوبل.

ترتكب الهيئة المصرية العامة للكتاب جريمة كبيرة عندما تقوم بإنفاق ذلك المبلغ الهائل على الطبع والتوزيع وأجور العاملين ليخرج لنا بكتاب يجب أن يكون وجبة دسمة ونفاجىء بأنه لا يرقى حتى لمرتبة الوجبات السريعة.

على أي حال، لا أنصحك البتة بقراءة نسخة الرواية الصادرة عن الهيئة والتي سعر نسختها إثنى عشر جنيهاً فقط سوف تتسبب في إحراق دمك للغاية ولتبحث عن ترجمة "نضيفة" للرواية.


.........إنجي إبراهيم..........

الجمعة، 4 نوفمبر، 2011

ثرثرة


اليوم بطوله أسمع هلاوس، يخيل لي أن هناك هاتف يدق، رنة موبايل لا أستطيع تبينها أتوقف عما أفعله وأنصت فلا يتوقف الصوت ولا أستطيع تبينه، فأنظر لشاشة هاتفي المحمول لأجدها مطفأة فأتيقن أنها محض هلاوس.

في كل مرة أخرج فيها لعتبة المنزل لأخرج شيئاً ما، أرى ظلاً لفتاة على جدار السلم المواجه لي، فتاة تنظر ناحيتي بإصرار، أنظر لظلها وأدقق النظر لأتيقن أنها -ببساطة- أنا.

اليوم أعيش أحداث اليوم وأنا خارجه وأشعر أن كل لحظة تمر هي سطر يضاف في قصة قصيرة سوف أسرد فيها لحظات فتاة تعاني الهلاوس والقلق وتغرق الورد -الصناعي- في شاور برائحة الخوخ زاعمة أنها تنظفه. فتاة تتعجب كيف بقى أخضر بوكيه الورد -الحقيقي- الذي جلبته أنت أخضر كما هو.

تتعجب كيف أنها في كل مرة تقابلك فيها تشعر كأن رائحتك التصقت بها، ترى أن رائحتك مميزة جداً، فتاة تجلس لتكتب تلك الكلمات وهي تأكل جالاكسي فلوتس التي جلبتها أنت أمس وتفكر في العطر، عطرك الذي لا تقصد به ذلك البرفان ذو الإسم الغريب الذي تستخدمه أنت ولكنها تفكر في العطر الذي يتسرب منك خلسة، رائحتك التي تلتصق بها في كل مرة تراك فيها، رائحتك التي تلخصك بالكامل.

أعرف أنك تحبني، وأعرف أنني أرهقك جداً بقلقي المفرط وهلاوسي التي لا تنتهي، أعرف أنني أضغط على أعصابك بشدة عندما أطالبك بلا شىء وأتعجب من أنك لم تفهم كلماتي التي تتمحور غالباً حول "أنا..أصل..بص..قولي..sooner is better..لو..تمشي..لو..لو..لو" ، أعرف أنني أعاني فيضاً من الهلاوس يمكنه أن يكفي سكان السبع قارات وأنك تتفهم ذلك، وأعرف أنني لن أتوقف عن القلق وأعرف أنك سوف تظل تتفهم وسوف تظل تحبني.

اليوم غريب، غريب للدرجة التي وجدتني فيها أقول لصديقتي أنني جاهزة للموت، وأخبرها بضرورة أن نغضب وأن "ندبدب برجلينا في الأرض"، أحفزها لضرورة أن تستهلك قواها في الانفعال حتى تنتهى شحنته تماماً وتتطهر، أخبرها أنني أريد أن أخرج غداً وأنني سوف أذهب معها لمهرجان الألوان وأنني، لازلت جاهزة للموت.

تأتي رسالتك على هاتفي، أضحك، أود لو فعلت مثل ما فعتله بالأمس قبل أن أقابلك، أمس رقصت بهستيريا على أغنية "can't take my eyes off you" لفرانك سيناترا، رقصت كما لم أفعل من قبل، رقص يحمل في طياته الكثير من "الهبل"، كنت أستهلك قواي، أتنطط في كل الاتجاهات، أرفع ذراعاي عالياً وأدور وأدور وأدور وأضحك، الأغنية لمست وتراً يعاني الهبل في عقلي فانطلق قي أوضح صوره، اليوم لم أستطع أن أقوم بتأدية نفس المشهد، ليس لأنني قمت بمسح المراوح وتنظيف الأرضيات وتلميع الخشب، ولكن فقط لأن هناك أشخاص لا يحملون إسمي يتواجدوان في حيز المشهد.

كنت أقول رسالتك، نعم رسالتك كانت بطعم الجلاكسي فلوتس التي انتهيت منها تواً وأرغب في أخرى. نعم أرغب في أخرى، دائماً أرغب في أخرى ودائماً أظهر العكس و...، هل تفهم؟؟

على أي حال، أنا فقط أثرثر عن كل شىء، أمتلك في الأيام القادمة فراغاً بحجم أسبوع كامل يمكنني فيه أن أمرح مع الهلاوس وأفكر ألف ألف مرة في الدقيقة الواحدة عن احتمالات المرحلة القادمة، تلك المرحلة التي أعرف أنها -إن مرت- سوف تكون ذكريات بطعم الفراولة، تلك الفاكهة المحرمة التي تعرف حلاوتها بعد تذوق اللسعة الأولى وبعد أن يعتاد لسانك على ملمسها الخارجي.


بعد الحمام ومعطر الجسد برائحة ال"شىء ما" الاستوائية، لا أتبين رائحتك، أحادث صديق ما على ال"google talk"والذي لا أتذكر أنني أنشأت حساباً عليه من الأصل، يسألني عن أحوالي فأخبره بالكثير من الترهات عن العمل والأصدقاء، ثم يسألني عنك فأخبره أن "my man is a real one" أقولها وأبتسم وأقرر أنني سوف أهاتفك الآن لأقرأ لك ثرثرتي تلك، وأقرر أنني إذا لم أتمكن من أن أسمعها لك، لن أدع أحداً يقرأها وسوف تظل مسودة للأبد.


.........إنجي إبراهيم......