السبت، 24 ديسمبر، 2011

أنت في حياتي


(1)
طيران أعجميان
معتصبا العينين
قصيصا اليدين والرجلين
تلامست -عرضاً- أنفاسهما
انصرفت كل حواسهما فى إدراك مذاق القبلة

"أنت في حياتي تلك "القبلة

***************
أنت في حياتي كتلك القبلة، كأول قبلة، تلك الارتجافة المندهشة، ذلك الإحساس الطاغي بقرب الآخر أكثر مما تحملته روحك طوال السنون المنقضية، أن تكتشف فجأة أنك فاتك الكثير جداً، وأنك -أخيراً- قد عوضت.

أنت في حياتي كتلك القبلة، متعة تتوسط حرباً ضورس مع الأيام، إغفاءة إرهاق وسط حفل صاخب، أنت في حياتي كتلك القبلة، تعويضاً عن عصبة العينين، وقصر اليدين والرجلين.
......................................................
(2)
ككل من كل
كقلب من قلب
تنبعث كل أسباب السعادة في عينيه نظرة

"أنت في حياتي تلك "النظرة
*************
كالانتماء أنت في حياتي، كل من كل، لا يستقيم كلي دون كلك، كقلب من قلب، لا يحيا دون المضغة التي تتوسطه حياة.

كحي اكتمل، تنفس، رأى ما فاته، تكشفت فجأة أمامه ظلمة ما مضى فانبعثت السعادة في عينيه نظرة.

أنت في حياتي نظرة ، كل فرحة مكتملة هي أنت، كل متعة منقوصة بغيابك، دونك في حياتي تختفي النظرات، يخفت البريق، دونك في حياتي لا امتلك -حتى- النظرة.
.......................................................
(3)
شريد في نفسه
شارد عنها
يلاحقه الليل
ظلمة الجبل المقيم
إبتئاسات الغيمات
يأس الأغيار
لكنه مطمئن

"أنت في حياتي ذلك "الاطمئنان
*****************
أن تحب، هو أن تتذكر فجأة وأن تلهث إرهاقاً من الحياة أن أحدهم على الطرف الآخر من العالم يحبك، لا يعيقه جريه المحموم في الحياة عن أن يحبك، يحملك في قلبه، يصلي من أجلك في الأماكن التي تحبها، يتذكرك في وجوه العابرين وكلمات الأغراب، فتطمئن.

أنت في حياتي اطمئنان أن خطواتي أكثر ثباتاً، وعطري أكثر تأثيراً. أنت في حياتي اطمئنان أنك حينما تشرد بعيداً، كلما ابتلعك الليل ولاحقتك ظلمة الجبال تربت على قلبك كي لا أجزع عليك.

أنت في حياتي اطمئنان أن يأس الأغيار لا يمسك طالما أنت عائد لي وحدي، أنت في حياتي اطمئنان أنك مطمئن وكفى.
...............................................
(4)
يبكي ملء أحلامه الصغيرة
تضمه، يتماثل للهدوء
تغمره منه ضحكة

"أنت في حياتي تلك "الضحكة
*****************
أنت في حياتي كضحكة تلك الضمة، طضحكة طفل منتزعة من قلب كابوس، طضحكة طفل سمع دقات قلب أمه تهدهده أنها هنا من أجله.

كضحة عينين دامعتين اطمئنتا، كضحكة حقيقية تعرف ألا شيء قادر على محوها، أنت في حياتي كضحكة بعد نحيب استمر ربما بلا أسباب منطقية، كانجلاء الحقيقة فجأة بعد احتجاب.

أنت في حياتي ضحكة شمس، تغيب -ربما- لتعود أكثر دفئاً وعذوبة.
................................................

أنت في حياتي قبلة إنظر إليها باطمئنان ضاحكة


......إنجي إبراهيم........

*مقاطع الشعر العمودي ذات الترقيم هي مقاطع لذات القلب الرائق لبنى أحمد نور، تلك الفتاة ذات الأجنحة البنفسجية والتي تنعم كلماتي بمشاركة كلماته ذات السطور.

*العنوان "أنت في حياتي" نفس عنوان نصوص لبنى المقتبسة.

*الإهداء : إلى من يعرف نفسه جيداً

الثلاثاء، 13 ديسمبر، 2011

المسافات



كان العنوان موفق جداًمن وجهة نظري، فتلك الرواية لا تتحدث عن شخوصها سعاد وليلى وعلي والشيخ مسعود، الرواية -قطعاً- تتحدث عن المسافات الفاصلة بين الواقع والخيال، أو بكلمات أكثر إنصافاً، تتحدث الرواية عن المسافات التي كانت يجب أن تكون فاصلة بين الواقع والخيال.

أعتقد أنني لن أتحدث تلك المرة عن الرواية ولن أعطي تلميحات تغريك بقرائتها، فقط سوف أتحدث عن السحر المتسرب بين السطور، عن الحضور الطاغي للأستاذ إبراهيم عبد المجيد في الكلمات.

يا الله، كيف يمكن لكل هذا الشغف أن يتجمع في رواية واحدة؟؟ سحر بالمعنى الحرفي الكامل للكلمة، لم تكن تلك تجربتي الأولى مع أستاذ إبراهيم عبد المجيد، ولكنها تجربة تختلف، قرأت له كثيراً من قبل وتفاعلت وأحببت وبكيت ورق قلبي، ولكنني لم أنوم مثلما حدث معي وأنا أقرأ المسافات.

تحكي الرواية عن عشرين بيتاً يسكنهم عشرون أسرة على ضفاف بحيرة ما، لا يعطيك أي ملامح للمدينة أو المكان، فقط بحيرة تحيط بها نباتات الحلفا ويسطع القمر فوقها، هكذا بلا سابق إنذار يقرر الكاتب أن يشرك القارىء في عملية الخلق، فيمكنك أن تقرر أنت ستكون بحيرتك وأين سوف تدور الرواية.

يسكن البيوت رجالاً ونساءاً مفرطين في الواقعية الخيالية، يمكنه أن ينقل لك تفاصيل حياتهم الواقعية جداً من طقوس خبيز الأفران وإشعالهم للفواريكة للتدفئة ورقصهم في الاحتفالات، ويمكنه أن يستفز عقلك ليتخيل مشهد خيالي جداً لأحدهم ينمو جسده نمواً هائلاً في يومين وأخرى تصغر حتى تكون وجهاً بأذرع وسيقان مثل الدبابيس أو أن يقنعك أن أحدهم لا يستطيع النظر لعين الشمس وأنها تطارده.

في المسافات يحيا كل منا في عالمين، قدم في العالم الذي يمكنك أن تلمسه وتشمه وتسمعه وقدم في عالم أثيري قوانينه تختلف عن كل شيء عرفته قبلاً.

في المسافات "وروايات إبراهيم عبد المجيد عموماً" هناك إجلال يشبه التقديس للنساء، يمكنه أن يرى الجمال بشفافية رقيقة، يصف إبراهيم عبد المجيد نسائه حتى الغرور، يمكنهم من التمتع بكل تفصيلة خلقت فيهن، يستطيع أن يعلو بهن فوق صفات البشرية حتى لو كن مغرقات في الواقعية، يجعلهن حوريات في كل شيء بارعات في الحديث براعتهن في الفراش، كلمات إبراهيم عبد المجيد عنا "نحن نون النسوة" تحلق بنا فوق الواقع وتجعلنا قادرات على إغواء كل شيء حتى الهواء.

تمتلىء الرواية بحالات ساحرة وأحداثاً مغرقة في الخيال، يمكنك فيها أن تنفس عن ضيقك من واقعك المادي جداً والسفر معه للمدينة الغامضة التي يذهب لها كل سكان ضفة البحيرة ولا يعودون، يمكنك أن تستمع لحن المسفر فوق القطارات الذي يعزف الناي ولا يعبأ بالنزول في المحطات، شخصيات خيالية تعيش معهم صفحات حياتهم وتنسل من واقعك الخانق لتعود أكثر وعياً بكل شيء.

خيالية رواية المسافات لا تنتمي لذلك النوع من الخيال الذي يجعلك ساخط على واقعك أو على الكاتب، لا يجعلك تشعر ولو مرة واحدة أن هناك استخفاف بعقلك، على العكس تماماً فخيالية رواية المسافات تجعلك تعتقد بشدة في أن هناك أموراً تحدث حولك لا قبل لك بها، أموراً خارجة عن إرادتك تماماً ولا قبل لك بها، تجعلك تفكر في احتماليات أن تكون صدف حياتك كلها ليست صدفاً بالمعنى الحرفي وأن هناك دوائر أخرى تدور على مسافات قريبة منك.

رواية المسافات تحررك من قيد أن تكون أنت المسيطر على كل شيء لبعض الوقت، تحرر يجعلك تزيح مسئولية الكون من على كتفيك لبرهة، تستمتع فيها بالسحر لتعود أكثر اقتناعاً أنك أنقى وأنبل، وأسعد حظاً.

.......إنجي إبراهيم........

الأربعاء، 7 ديسمبر، 2011

طقوساً مقدسة


"قصي شعرك تغيري حظك"

لا تعرف تحديداً أين/متى سمعت تلك الجملة قبلاً، فقط وجدت الجملة تتردد في خلفية رأسها كفكرة ملحة لا تستطيع التخلص منها، فكرت كثيراً من قبل أن تغير قصة شعرها، تفكر بلا جدية حقيقية، تنظر في المرآة وتقول أنها سوف تقص شعرها، وتستدير وتنسى الموضوع تماماً، أما تلك المرة فالموضوع مختلف


تلك المرة جائتها الفكرة وهي تحت الماء الساخن الذي تشعر به يحتضنها، زخات الماء الدافئة التي تحتضنها حضن افتراضي جداً لا تعرف هل تملك إزاءه أن تبتسم أم تقطب، تسعد بحضن الماء أم ترغب في حضناً آخر أكثر حميمية ودفئاً، حضن تسمع معه دقات قلب آخر وتستشعر أنفاس دافئة حقيقية وليست بخاراً لماء فارق السخان لتوه.


تذهب لمصففة الشعر الحسناء، تجلس تحت يديها كي تقص لها شعيرات سوداء طويلة، تفكر أن الفتيات يقصصن شعورهن فتأتي ساحرة طيبة ذات قلب كسر ذات مرة كسراً عنيفاً فتجمع شعرات الفتيات وتصنع منه أحجبة كثيرة تضمن لهن حظاً أكثر سعادة.

ترفع رأسها وتنظر لمصففة الشعر في محاولة منها للعثور في وجهها على أي ملمح من ملامح الساحرات، يخيل إليها أنها سوف تراها تقوم بحركات طقسية وهي تقص شعرها أو تتمتم ببعض العبارات التي سوف تجعل حظها أحلى.

مصففة الشعر تنجح فقط في منحها ابتسامة صافية وإعجاباً صادقاً بشكل وجهها بعد قص شعيراتها السوداء الطويلة، تخبر نفسها فى المرآة أنها أصبحت سمراء قصيرة الشعر بعد أن ظلت لوقت طويل جداً سمراء طويلة الشعر، تتيقن أنها سوف ترحل وتأتي الساحرة الطيبة ذات القلب المكسور لتأخذ شعراتها من مصففة الشعر الحسناء وتذهب به حيث تصنع أحجبة كثيرة بروائح الفانيليا واللافندر لتجعل حظها أحلى.

............................................

"قصي شعرك تغيري حظك"

هي لا تريد من الساحرة الطيبة أن تغير لها حظها، هي فقط تريد منها أحجبة تجعل القلق يكف عن التهام قلبها كل مساء، تصنع لها أحجبة لتكف عن الخوف من كل/أي شىء، تود من الساحرة الطيبة التي كسر قلبها يوماً ما أن تضمن لها أنها لن تكون هي الأخرى ساحرة طيبة تصنع أحجبة للفتيات.

تفكر كثيراً في أنها تود لو رأت ساحرة الشعر القصير تلك، لابد أنها تصنع الأحجبة من الدموع والدعوات والشعيرات السوداء والصفراء وصلوات القلوب، لابد أنها تنكأ جرحها يومياً في سبيل تحسين حظ الفتيات الأخريات، تصنع لهن أحجبة وتنظر لهن في البلورة السحرية لترى حظوظهن تصبح أحلى فتسعد وتبحث عن شعيرات أخرى لفتيات أخريات لتمارس طقوسها المقدسة.

تفكر كثيراً جداً وتنظر للبحر وتعبث بخصلات شعرها القصيرة الجديدة، تسمع صوتاً دافىء يخبرها أن "تعرفي شكلك حلو أوي وشعرك قصير"، تلتفت لتجده يقف خلفها متأملاً شكلها الجديد، تنهض من جلستها وتقف أمامه، يخلل أصابعه في شعرها القصير ويحتضنها بقوة، تظهر في الأفق جنية طيبة تلوح لها من بعيد وتغمز بعينها اليسرى وتختفي في الماء.


........إنجي إبراهيم.........