
تتحفز في جلستها على مقعد السيارة بجانبه، تنظر للزجاج الأمامي الغائم بفعل الأمطار ثم تنظر له، يبتسم ابتسامة مطمئنة ويضغط زر تشغيل الموسيقى فينطلق صوت فيروز.
........................................
وحدن بيبقوا..متل زهر البيلسان"
وحدهن بيقطفوا وراق الزمان
بيسكروا الغابة .. بيضلهن متل الشتي يدقوا على بوابي
........................................
تسكن قلعة كبيرة وحدها، خالية إلا من دولاب خشبي كبير وفراش وثير ومرآة بحجم الخوف ذاته، ترتدي ملابس طويلة واسعة تشبه أثواب أميرات العصور الوسطى، شعرها حالك السواد وشفتاها مخضبتان بلون قاني، تجري ناحية الباب باكية وهي تستمع نحيب الفتيات الوحيدات فى الخارج العاصف، لا تمتلك مفاتيح للقلعة، لا تستطيع سوى التربيت على الجهة الأخرى للباب الخشبي وتبكي وحدتها فى الداخل، تردد الريح صوت فيروز الحزين النبيل وتحرك شفتيها معها أن
وحدن بيبقوا..متل هالغيم العتيق
وحدهن..وجوهن وعتم الطريق
عم يقطعوا الغابة..وبإيدهن متل الشتي يدقوا..البكي وهني على بوابي
.......................................
الطريق متوقف، الأمطار تضرب الزجاج الأمامي بعنف ولا زالت فيروز تحكي عنها، عنهم، وعيناها
متحجرتان على مساحات الزجاج تتابعهم بإصرار.
يعرف أنها تحب فيروز، تتنفسها، هو أيضاً يعشق ملائكية صوتها وإصرارها على أن تكون كائن خارج حدود الزمان والمكان، الطريق طويل والمطر يغرق كل شيء، وهي بجانبه، ينظر لها بطرف عينه ليجدها ساهمة، ربما كانت تشعر بالبرد وربما تفكر في أن تحتمي من العاصفة داخل معطفه كما يفكر هو تماماً.
-ايه مالك..مسهمة كدة ليه؟
-أصل أنا بحلم بالأغنية دي كتير
-بتحلمي بالاغنية ازاي يعني؟
-غابة وقصر وبنات وبنات كتير..وانا بكون موجودة..والجو كمان..الجو بيكون كدة..أنا سقعانة
أوي
.......................................
ساكنة القلعة ذات الملابس الفضفاضة السوداء تهرع للمدفأة، تشعر بالبرد يكاد يجمد قلبها فى الفؤاد، تزج بالمزيد من ضحايا الخشب فى النار، تغني بصوت عالي علها تطرد أشباح بكاء الفتيات عنها، الرياح تعوي خاج القلعة، كل المصابيح تهتز، ذاكرتها ممسوحة تماماً.
ماذا أتى بها هنا؟ من هؤلاء الفتيات الباكيات فى الخارج؟ كيف للريح فى تلك المدينة صوت فيروز الحزين؟
ولماذا تلك الأغنية تحديداً..تستمر فى تغذية المدفأة بالأخشاب المسكينة ويعلو صوتها فى فضاء القلعة تصرخ مع غناء الريح.
يا ناطرين التلج..ما عاد بدكن ترجعوا
صرخ عليهن بالشتي يا ديب..بلكي بيرجعوا
.........................................
تنظر له بعد وقت، يرتدي معطف طويل، ذقنه نابتة قليلاً، يركز بكلتا يديه على عجلة القيادة، لا يبدو فى المعطف مكاناً يسعها.
المطر فى الخارج يذيب كل جبال الثلج بينهما، يحفر أنفاقاً بين حرارة وجوده ووارتجافات قلبها مع حكاية فيروز التي تقطر وجعاً.
تحرك يديها قليلاً ناحيته دون إدراك، يحرك يده لنقل عصا السرعة، تتلامس أطراف الأصابع ويتوقف الزمن تماماً.
تنظر له بارتباك، يبتسم ويدير وجهه ناحية الطريق، يضغط زر مشغل الموسيقى كي يعلو صوتها
أكثر وتغوص هي في مقعدها ناظرة له فى مرآة السيارة.
..........................................
تفتش ساكنة القلعة في الدولاب الضخم عليها تجد ما ينعش ذاكرتها، لا تتذكر كيف وجدت هنا، من أين خلقت تلك المدينة، وأي رحم ألقى بالفتيات الباكيات على عتبة القلعة.
والريح، كيف للريح صوت فيروز، لابد أن للمطر هنا طعم الدموع، يجب أن تبكي السماء تأثراً بصوت الريح هنا.
على أي جهة من الخريطة تقع تلك المدينة التي ألقاها العالم بها، ونسيها ورحل.
..........................................
يطول الطريق، يقود السيارة بهدوء حتى لا تنزلق العجلات، يفكر متى سوف تتركه يصارحها؟؟ إلى متى سوف تظل وحدها تدور الأفكار فى رأسها الصغير تاركة إياه يحوم حولها دون الولوج؟؟ يحبها منذ الأبد ربما، عرفها وحده وأحبها في صمت، بقيت هي داخل جمجمتها الصغيرة تتوهم أنها وحدها، أحياناً يشعر أنها تعرف، ربما خائفة مما بعد الكلمة، خائفة أن تدخل معه ويضيع المفتاح، لذلك يتحمل صمتها وخوفها، يعرف أنها تشعر بالبرد فى تلك الحياة، لو فقط تركته يخبرها أنه يمتلك المعطف، لو فقط تركته يهديها إياه.
-إنت سرحان؟
-لا.. أنا سرحان
تضحك وتخبره أنها تحب الشتاء، وتحب صوت فيروز
- وبحب اتفرج عليك وانت بتسوق.
يضغط فرملة عنيفة تجعلهم يتوقفون على جانب الطريق ويتوقف الزمان تماماً للمرة الثانية فى نفس الليلة.
...................................
تبحث ساكنة القلعة عن دفاتر المذكرات، كل الدفاتر الزرقاء مملوءة بنفس الكلمات، كلها تحمل كلمات الأغنية التي ترددها الريح، والريح الفيروزية تغني فى الخارج والفتيات خارج الباب يرددن وراءها.
تذهب للباب وتردد للفتيات بالخارج بصوت عالي مع الريح
يا زمان..من عمر فيي العشب عالحيطان
من قبل ما صار الشجر عالي
ضوي قناديل وانطر صحابي
مرقوا وفلوا بقيت ع بابي..لحالي
....................................
تنظر له وتبتسم، يعتذر عن الفرملة المفاجئة، ويسألها لماذا تحب أن تشاهده يقود السيارة.
تنظر للشتاء فى الخارج، ثم تنظر له وتهم بقول شيء ما، تصمت وتعتدل في جلستها تحتضنه ويتوقف الزمن للمرة الأخيرة في تلك الليلة.
............إنجي إبراهيم.........
2 التعليقات:
انا كمان بحب الشتاء وفيروز
جميلة جدااا :)
جميل جدا بجد
تسلم ايدك
تحياتي
محمد عامر
إرسال تعليق