
ربما لا يفهم الحمقى الاخرون ولكننى حتما أفهم..عندما استيقظ الشارع الضيق على صوت صراخها تلعن وتسب فى اطفالها بغضب هستيرى زائد عما يحتمله الموقف فهمتها جيدا بينما استنكر الاخرون ذلك بشدة..
حينما سمعتها تدعو على اطفالها بالعماء والشلل وتسبهم باقذع الالفاظ وهم بعد أطفال فهمتها جيدا بينما استنكر الاخرون ذلك بشدة..حينما خرجت الى الشرفة ورأيتها تمسك طفلتها وتجرها من شعرها على ارض الشارع وتركل صغيرها مشفعة كل ذلك بالكثير من الصراخ والدعاء والدموع فهمتها جيدا بينما استنكر الاخرون ذلك بشدة..
..............................................................
"يا بت الجزمة..انا مش قلت متطلعيش وتقفلى الباب وراكى؟؟ معييش مفتاح ..اعمل ايه أنا..اعمل ايييييييييييييييييه......"
................................................................
أشعر بها جيدا..أتفهمها تماما..مات هو وتركها مع الثلاث أطفال..وحيدة..ضعيفة..فقيرة..لم تكن اسعد امرأة على وجه الارض ولم تكن تعرف اى قصص حب حقيقية مع زوجها الراحل ولم يكن بينهم العشق ملتهب الى ذلك الحد ولكن مجرد وجوده معها كان يحمى ظهرها..انفاسه تتردد فى المنزل كانت تشعرها ان من حقها ان تغمض عينيها وتنام عالمة ان هناك من يعنى بها واطفالها وسوف يجد حلا لكل المشاكل والعقبات..
............................................................
"حرام عليكوا..حرااااااااام..انتوا ايه مبتحسوش؟؟ انا خلاص مش قادرة استحمل..حرااااااااااااااااام حراااااااااااااااام ارحمونى بقى انا مش قادرة..بطلى عياط يا بت الجزمة انتى كمان......."
............................................................
حتى موته لم يخلو من خيانة ما..مات فجأة على طريقة الحواة..الان تراه ..الان لا تراه..لم يمهلها حتى فرصة كى تأهب نفسها لاحتمالية تركه لها وحيدة فى مواجهة ذلك العالم القاسى على بساطته..
اشعر انها تشعر بالخيانة وانها خدعت..اعرف انها فى كل مرة تصرخ فى اطفالها وتعذبهم انما هى ترثى نفسها بشكل او بآخر..هى لم تعتاد الحياة وحيدة..كيف ستواجه ذلك العالم؟؟ هى هشة جدا وهو تركها للابد..لم يكن لها من أحد غيره وقد تخلى عنها كما تخلى عنها الاخرون..اعرف انها تشعر نحوه بكراهية شديدة بعد ان تركها ورحل..لا تستطيع استيعاب حقيقة رحيله بغير ارادته..لماذا يفعل بها الله كل هذا؟؟ اى جرم ارتكبته كى تعانى كل ذلك وحدها؟؟ كذا تتساءل وعندما لا تجد اجابة تبدأ فى سب اطفالها وضربهم وربما جرهم فى الشارع باحثة عن بعض التعاطف من الجيران الذين ينهشون لحمها ولا يرحمون ضعف قوتها و قلة حيلتها..
...........................................................
"أنا خلاص مش عايزاكوا..انا بكرة هوديكوا لاهلكوا هما يتصرفوا معاكوا..مش عايزااااااااااااااكوا ..بطلى عياط حرام عليكى ..حرام"
.........................................................
اعرف انها تشعر بمقت شديد نحو اطفالها الان..فمرآهم يذكرها دائما انهم محرومون من الاب..يذكرها انها مهما تعبت فى هذه الدنيا لن تستطيع ان توفر لهم اب آخر..لن تجد ابنتها التى تحطم اعصابها بالبكاء الان من يقف بجانبها عندما تتزوج..لن يجد ابنها الذى يقف دامع العينين أب يأخذه معه صلاة الجمعة ويصنع معه فانوس رمضان كما كان يفعل..كيف سيواجه اطفالها العيد القادم بدون أباهم؟؟ كيف سيشترون ملابس العيد ويذهبون للصلاة؟؟ من سوف يعطيهم العيدية؟؟عندما تتذكر كل هذا وتتذكر كم كان زوجها حنونا على هؤلاء الاطفال الذين اصبحوا ايتام بلا جريرة تزيد حدة بكائها ويعلو صوت صراخها ليشق الشارع..
.......................................................
يتجمع الجيران حولها..من يأخذ الطفلة فى حضنه كى تهدأ..ومن تبرع كى يثب من الشرفة كى يفتح لها باب الشقة لتستطيع الدخول..اقف انا فى الشرفة اتأمل كل هذا..الطفلة فى حضن احداهن و الطفل مع ذلك الشاب الذى يحاول جاهدا حل مشكلة الباب المغلق من الخارج وهى تقف وحيدة دامعة العينين مبعثرة الثياب لاهثة الانفاس لا تقوى على الحراك..تقف متسعة العينين تريد من يحتضنها بدورها ..من يطمئنها انها ليست وحدها ..من يهدىء من روعها ..من يشعرها ان هناك بشرا فى تلك الحياة التى تقسو عليها بلا سبب منطقى..اقف فى الشرفة واقول لنفسى سوف انزل كى اقول لها اننى افهمها واشعر بها..ربما لن تفهمنى ولكنها ستشعر..ربما ايضا لن اتكلم ولكنى سأخبرها بكل شىء عبر أثير الارواح..سوف افهمها انها ليست وحدها وان هناك من يشعر بها ..سوف ابث فى نفسها بعض الشجاعة واخبرها كم هى قوية تلك المرأة التى يتركها زوجها وتستطيع الحياة فى ذلك الوسط الذى نحيا فيه..سوف أنزل ..........
......................................................
"رايحة فين دلوقتى؟؟ يا شيخة بلاش كلام فارغ دى ولية مهروشة..سيبك منها وشوفى هنتعشى ايه..انا جعان
............انجى ابراهيم................





