السبت، 21 يناير 2012

لدغات حسن كمال




انتي قريتي كشري مصر؟؟
لا والله

عمرو إديني الكتاب دة اقراه "كشري مصر"
لا يا إنجي بطلت اسلف كتبي لحد

إنجي..انتهزي فرصة ان معاكي فلوس وروحي ديوان اشتري لدغات عقارب الساعة
فلوسي خلصت

في قصة فى المجموعة اسمها حيثيات دفاع "وحكاهالي بحرفنة"
حلوة أوي

إنجي..أنا جبتلك لدغات عقارب الساعة..ونسخة موقعة من دكتور حسن كمان
صمت رهيب كالعادة

تلك كانت ملابسات تعرفي على كتابة حسن كمال، حصلت في النهاية على نسخة من "لدغات عقارب الساعة"، تلك المجموعة القصصية التي لن تصدقها ما لم تقرأها.

حسن كمال – من وجهة نظري – يكتب من قلب الشارع، كل أبطاله لابد أن تكون قابلت أحدهم يوماً ما، كل قصصه لابد أنك عايشت طرفاً منها ولم تنتبه، يكتب من قلب أسفلت الشوارع ومصابيح البيوت، كاتب يستخدم خياله في عجن الحكاية، يلتقط طرفها من الشارع ويغدق عليها خيالاً يجعلها تمسك مس رفيق.

قرأت المجموعة المكونة من اثنان وعشرون قصة قصيرة في يومان فقط، إقتطع منهم دوام العمل وساعات النوم وشرب النسكافيه والعراك فى المواصلات ومقاومتي للريجيم وانتصاري على الطعام وانهزامي أمامه في لحظات أخرى ومكالمات الهاتف ليتبقى بالتقريب ساعة ونصف التهمت فيهم الكتاب على مرتان.

أعتقد أنني قرأته في أفضل ظروف تتماشى معه، وسط الناس، في المواصلات العامة، أنهي القصة وأتطلع في الوجوه من حولي لأحاول تبين أيهم هو الأب الذي كتب مذكراته وأنهاها بأسماء أبنائه، أيهن تلك السكرتيرة التي تعاني من المسمار في كرسيها، أين ذلك الأب الذي يلتقط صورة إبنه في أول خطوة، من ذلك الحفيد العبقري الذي دار مع بائع الروبابيكيا لاسترجاع صندوق جدته.

أصدقك القول، كنت أراهم أحياناً، يمكنك أن تجد بسهولة "سعيد" الذي قال عنه حسن كمال أن حقوقه كلها مسلوبة، حتى حق الاستمتاع بزوجته في النور، وأن ترى شاب البنزينة الكادح الذي يغلق قلبه على قصة حب كانت كل حيثيات دفاعه فيها الحب وحده.

لم يستخدم حسن كمال فى المجموعة خياله لإثارة غيظي بنهايات سعيدة بلهاء، بل ظل يصفعني بقوة في كل قصة بنهاية محبوكة جداً وواقعية جداً علني أفيق وأمثالي.
حتى في القصص الفلسفية التي تناقش معنى ما، لم يغلفها حسن بكلمات فارغة أو مواقف خيالية، عندما ناقش في أحدى القصص كيف يرى كل منا الحياة / المعاني / التصرفات من منظوره الخاص، جعل القصة تتحدث عن فتاة تقتل صرصور. هكذا، بمثل تلك البساطة يأسرك حسن كمال بحرفنة قلما تجدها بين دفتي الكتب.

عناوين قصصه لها شأن آخر، ينتقي العناوين التي لا يمكنك أن تتخيل غيرها للقصص، دائما لي مشكلة كبرى مع العناوين، فإما عنوان يعدك بما لن تجده في النص، أو عنوان يظلم النص ويبخسه حقه. للحق رأيت في مجموعة حسن كمال عناوين تليق بالمحتوى، عناوين من الواضح تماما أنه بذل فيها مجهودا ولم ينتقيها بلا شغف.

أمكنني أن أطل على قلب حسن كمال خلال قصصه، يمكنك أن تستشف أنه أب جيد، زوج مقدر، إبن يحب والده بجنون. وضع حسن كمال عصارته في الكتاب، ذلك – من رأيي – هو مثال الكاتب الذي نقول جميعاً أنه يترك قبساً من روحه في كتابته.

في النهاية، أرى أن المجموعة من أرق ما قرأت مؤخرا، بساطة موجعة وعمق شفيف يغلفه لغة سهلة لا يتحذلق فيها الكاتب عليك.

لا يتحذلق للدرجة التي جعلتني أورد إسمه طوال المقال دون لقب دكتور مع أنه – بالتأكيد – يستحق.

بقى أن أقول أن المجموعة إصدار دار بوك هاوس للنشر والتوزيع بتكلفة خمسة وعشرون جنيهاً.


.......إنجي إبراهيم.......

الاثنين، 16 يناير 2012

فاتنة الغواية


"في البدء كانت الفتنة، عمدتها ساحرة القرية بطقوس الإغواء وألقت بها بينهم"

كانت الفاتنة بينهن، سمراء مكتملة، ناضجة لدرجة تثير الغيظ في قلوب السيدات، وتثير أشياء أخرى فى قلوب الرجال. كانت دائماً مرفوعة الرأس، بعضهم يقول أنها مغرورة، البعض الآخر يقول أنها طيبة، آخرون يقولون أنها ساحرة، وجميعهم يجتمعون على أن لها مذاق الشوكولا.

كل من فاز منها بقبلة تحت شجرة البيلسان يقسم بهذا، يقولون أن شفاهها تذوب تحت وطأة الحب، هي خلقت للفتنة والإغواء، كل من تأسره عيناها يطلب منها أن تكون ملكه، يقابلها في ليل القرية الحالك، لا يحكي أحدهم تفاصيل، فقط يقسم جميعهم أن لها مذاق الشوكولا، ويقولون أنها تذوب ثم لا يعودون للحديث إليها مجدداً.

"في العشرون أقاموا احتفالاً صاخباً، ساحرة القرية سوف تفصح عن نبوءات الجيل، كل من ولد منذ عشرون عاماً يجلس بالساحة، تدور بينهم متوكأة على عصاها، تقترب من بنت الغواية وتدمع عيناها"

السمراء الفاتنة حزينة، وساحرة القرية تعرف السبب، لم تفصح الفاتنة عن سر ليالي البيلسان، لم تخبر أحداً أن ليالي البيلسان كانت تعتصر الشوكولا من عروقها وتمنحه لعروق شركائها، في كل مرة تمنح رحيق الشوكولا لأحدهم يجد حب حياته، وهي حزينة، جميعهم يتركها بعد أن تسكب في عروقه السر. فقط يقدسون رحيقها ويذهبون، يحنون رؤوسهم عندما يقابلنها في الطريق تقديساً لها، وينجبون أولاداً كثر ويسعدون زوجات شابات يقدسونها بدورهن.

"سوف يزول الحب عن القرية – قالت الساحرة العجوز- لن تمنحيه مجدداً، أوشك المخزون أن ينفذ، سوف تتحقق المعجزة عندما يأخذك هو، كفي عن أن تمنحيهم الحياة واقبلي هبته"

مرضت الفاتنة السمراء، كف الفتيان عن الحب في القرية، ذبلت الشابات اليافعات ولم تجدن من يتزوجهن. كف رحيق الشوكولا عن التدفق في عروق القرية، وكادت شجرة البيلسان تذبل.

"في الليلة القمرية، سوف تتحقق النبوءة، إتبعيه – قالت الساحرة العجوز - ولا تترددي أن تتركيه يهبك ما أنفقتي العمر تهبيه"

في احتفال القرية الأخير بها خرجت السمراء الفاتنة المريضة معهم، لونها ذبل توسطتهم والعيون تنظر لها بوجل، من منحتهم السعادة والحب يبكون مرضها ويرددون أن لولاها ما عاشوا، ومن لم تمنحهم التعويذة يبكون مرضها لأنهم لم يلحقوا بالرحيق قبل أن ينفذ.

ذهبت لتودع شجرة البيلسان، فوجدته هناك، غريب لم تره قبلاً في القرية، سألها أن تتبعه لعالمه حتى تشفى، لم يكن يشبههم، كان يشبهها أكثر، أسمر له نفس لون بشرتها، تتشمم الهواء حوله فتجده معبق بالشوكولا، يخبرها أنه هرب من عالمه هو الآخر، يحكي لها حكايته التي تشبه حكايتها كثيراً، يسألها أن تتبعه لعالم ثالث لن يستنزفهم فيه أحد.

وافقت الفاتنة أن تتبعه، أمسك يدها عند شجرة البيلسان وقبلها، ذابت وذاب معها، إمتزجا معاً وسالا عند قدمي البيلسانة نبعاً للشوكولا يمنح القرية الحب للأبد.

" في البدء كانت الفتنة، وفي النهاية ذاب السكر عند سفح القرية وتركتهم الفاتنة ورحلت".


........إنجي إبراهيم........

*النص ضمن مشروع دون لصورة الذي دعا له الأصدقاء على فيس بوك وأعجبتني الفكرة كثيراً

*لينك الإيفنت على فيس بوك
http://www.facebook.com/events/174420579324944/

السبت، 24 ديسمبر 2011

أنت في حياتي


(1)
طيران أعجميان
معتصبا العينين
قصيصا اليدين والرجلين
تلامست -عرضاً- أنفاسهما
انصرفت كل حواسهما فى إدراك مذاق القبلة

"أنت في حياتي تلك "القبلة

***************
أنت في حياتي كتلك القبلة، كأول قبلة، تلك الارتجافة المندهشة، ذلك الإحساس الطاغي بقرب الآخر أكثر مما تحملته روحك طوال السنون المنقضية، أن تكتشف فجأة أنك فاتك الكثير جداً، وأنك -أخيراً- قد عوضت.

أنت في حياتي كتلك القبلة، متعة تتوسط حرباً ضورس مع الأيام، إغفاءة إرهاق وسط حفل صاخب، أنت في حياتي كتلك القبلة، تعويضاً عن عصبة العينين، وقصر اليدين والرجلين.
......................................................
(2)
ككل من كل
كقلب من قلب
تنبعث كل أسباب السعادة في عينيه نظرة

"أنت في حياتي تلك "النظرة
*************
كالانتماء أنت في حياتي، كل من كل، لا يستقيم كلي دون كلك، كقلب من قلب، لا يحيا دون المضغة التي تتوسطه حياة.

كحي اكتمل، تنفس، رأى ما فاته، تكشفت فجأة أمامه ظلمة ما مضى فانبعثت السعادة في عينيه نظرة.

أنت في حياتي نظرة ، كل فرحة مكتملة هي أنت، كل متعة منقوصة بغيابك، دونك في حياتي تختفي النظرات، يخفت البريق، دونك في حياتي لا امتلك -حتى- النظرة.
.......................................................
(3)
شريد في نفسه
شارد عنها
يلاحقه الليل
ظلمة الجبل المقيم
إبتئاسات الغيمات
يأس الأغيار
لكنه مطمئن

"أنت في حياتي ذلك "الاطمئنان
*****************
أن تحب، هو أن تتذكر فجأة وأن تلهث إرهاقاً من الحياة أن أحدهم على الطرف الآخر من العالم يحبك، لا يعيقه جريه المحموم في الحياة عن أن يحبك، يحملك في قلبه، يصلي من أجلك في الأماكن التي تحبها، يتذكرك في وجوه العابرين وكلمات الأغراب، فتطمئن.

أنت في حياتي اطمئنان أن خطواتي أكثر ثباتاً، وعطري أكثر تأثيراً. أنت في حياتي اطمئنان أنك حينما تشرد بعيداً، كلما ابتلعك الليل ولاحقتك ظلمة الجبال تربت على قلبك كي لا أجزع عليك.

أنت في حياتي اطمئنان أن يأس الأغيار لا يمسك طالما أنت عائد لي وحدي، أنت في حياتي اطمئنان أنك مطمئن وكفى.
...............................................
(4)
يبكي ملء أحلامه الصغيرة
تضمه، يتماثل للهدوء
تغمره منه ضحكة

"أنت في حياتي تلك "الضحكة
*****************
أنت في حياتي كضحكة تلك الضمة، طضحكة طفل منتزعة من قلب كابوس، طضحكة طفل سمع دقات قلب أمه تهدهده أنها هنا من أجله.

كضحة عينين دامعتين اطمئنتا، كضحكة حقيقية تعرف ألا شيء قادر على محوها، أنت في حياتي كضحكة بعد نحيب استمر ربما بلا أسباب منطقية، كانجلاء الحقيقة فجأة بعد احتجاب.

أنت في حياتي ضحكة شمس، تغيب -ربما- لتعود أكثر دفئاً وعذوبة.
................................................

أنت في حياتي قبلة إنظر إليها باطمئنان ضاحكة


......إنجي إبراهيم........

*مقاطع الشعر العمودي ذات الترقيم هي مقاطع لذات القلب الرائق لبنى أحمد نور، تلك الفتاة ذات الأجنحة البنفسجية والتي تنعم كلماتي بمشاركة كلماته ذات السطور.

*العنوان "أنت في حياتي" نفس عنوان نصوص لبنى المقتبسة.

*الإهداء : إلى من يعرف نفسه جيداً

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2011

المسافات



كان العنوان موفق جداًمن وجهة نظري، فتلك الرواية لا تتحدث عن شخوصها سعاد وليلى وعلي والشيخ مسعود، الرواية -قطعاً- تتحدث عن المسافات الفاصلة بين الواقع والخيال، أو بكلمات أكثر إنصافاً، تتحدث الرواية عن المسافات التي كانت يجب أن تكون فاصلة بين الواقع والخيال.

أعتقد أنني لن أتحدث تلك المرة عن الرواية ولن أعطي تلميحات تغريك بقرائتها، فقط سوف أتحدث عن السحر المتسرب بين السطور، عن الحضور الطاغي للأستاذ إبراهيم عبد المجيد في الكلمات.

يا الله، كيف يمكن لكل هذا الشغف أن يتجمع في رواية واحدة؟؟ سحر بالمعنى الحرفي الكامل للكلمة، لم تكن تلك تجربتي الأولى مع أستاذ إبراهيم عبد المجيد، ولكنها تجربة تختلف، قرأت له كثيراً من قبل وتفاعلت وأحببت وبكيت ورق قلبي، ولكنني لم أنوم مثلما حدث معي وأنا أقرأ المسافات.

تحكي الرواية عن عشرين بيتاً يسكنهم عشرون أسرة على ضفاف بحيرة ما، لا يعطيك أي ملامح للمدينة أو المكان، فقط بحيرة تحيط بها نباتات الحلفا ويسطع القمر فوقها، هكذا بلا سابق إنذار يقرر الكاتب أن يشرك القارىء في عملية الخلق، فيمكنك أن تقرر أنت ستكون بحيرتك وأين سوف تدور الرواية.

يسكن البيوت رجالاً ونساءاً مفرطين في الواقعية الخيالية، يمكنه أن ينقل لك تفاصيل حياتهم الواقعية جداً من طقوس خبيز الأفران وإشعالهم للفواريكة للتدفئة ورقصهم في الاحتفالات، ويمكنه أن يستفز عقلك ليتخيل مشهد خيالي جداً لأحدهم ينمو جسده نمواً هائلاً في يومين وأخرى تصغر حتى تكون وجهاً بأذرع وسيقان مثل الدبابيس أو أن يقنعك أن أحدهم لا يستطيع النظر لعين الشمس وأنها تطارده.

في المسافات يحيا كل منا في عالمين، قدم في العالم الذي يمكنك أن تلمسه وتشمه وتسمعه وقدم في عالم أثيري قوانينه تختلف عن كل شيء عرفته قبلاً.

في المسافات "وروايات إبراهيم عبد المجيد عموماً" هناك إجلال يشبه التقديس للنساء، يمكنه أن يرى الجمال بشفافية رقيقة، يصف إبراهيم عبد المجيد نسائه حتى الغرور، يمكنهم من التمتع بكل تفصيلة خلقت فيهن، يستطيع أن يعلو بهن فوق صفات البشرية حتى لو كن مغرقات في الواقعية، يجعلهن حوريات في كل شيء بارعات في الحديث براعتهن في الفراش، كلمات إبراهيم عبد المجيد عنا "نحن نون النسوة" تحلق بنا فوق الواقع وتجعلنا قادرات على إغواء كل شيء حتى الهواء.

تمتلىء الرواية بحالات ساحرة وأحداثاً مغرقة في الخيال، يمكنك فيها أن تنفس عن ضيقك من واقعك المادي جداً والسفر معه للمدينة الغامضة التي يذهب لها كل سكان ضفة البحيرة ولا يعودون، يمكنك أن تستمع لحن المسفر فوق القطارات الذي يعزف الناي ولا يعبأ بالنزول في المحطات، شخصيات خيالية تعيش معهم صفحات حياتهم وتنسل من واقعك الخانق لتعود أكثر وعياً بكل شيء.

خيالية رواية المسافات لا تنتمي لذلك النوع من الخيال الذي يجعلك ساخط على واقعك أو على الكاتب، لا يجعلك تشعر ولو مرة واحدة أن هناك استخفاف بعقلك، على العكس تماماً فخيالية رواية المسافات تجعلك تعتقد بشدة في أن هناك أموراً تحدث حولك لا قبل لك بها، أموراً خارجة عن إرادتك تماماً ولا قبل لك بها، تجعلك تفكر في احتماليات أن تكون صدف حياتك كلها ليست صدفاً بالمعنى الحرفي وأن هناك دوائر أخرى تدور على مسافات قريبة منك.

رواية المسافات تحررك من قيد أن تكون أنت المسيطر على كل شيء لبعض الوقت، تحرر يجعلك تزيح مسئولية الكون من على كتفيك لبرهة، تستمتع فيها بالسحر لتعود أكثر اقتناعاً أنك أنقى وأنبل، وأسعد حظاً.

.......إنجي إبراهيم........

الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

طقوساً مقدسة


"قصي شعرك تغيري حظك"

لا تعرف تحديداً أين/متى سمعت تلك الجملة قبلاً، فقط وجدت الجملة تتردد في خلفية رأسها كفكرة ملحة لا تستطيع التخلص منها، فكرت كثيراً من قبل أن تغير قصة شعرها، تفكر بلا جدية حقيقية، تنظر في المرآة وتقول أنها سوف تقص شعرها، وتستدير وتنسى الموضوع تماماً، أما تلك المرة فالموضوع مختلف


تلك المرة جائتها الفكرة وهي تحت الماء الساخن الذي تشعر به يحتضنها، زخات الماء الدافئة التي تحتضنها حضن افتراضي جداً لا تعرف هل تملك إزاءه أن تبتسم أم تقطب، تسعد بحضن الماء أم ترغب في حضناً آخر أكثر حميمية ودفئاً، حضن تسمع معه دقات قلب آخر وتستشعر أنفاس دافئة حقيقية وليست بخاراً لماء فارق السخان لتوه.


تذهب لمصففة الشعر الحسناء، تجلس تحت يديها كي تقص لها شعيرات سوداء طويلة، تفكر أن الفتيات يقصصن شعورهن فتأتي ساحرة طيبة ذات قلب كسر ذات مرة كسراً عنيفاً فتجمع شعرات الفتيات وتصنع منه أحجبة كثيرة تضمن لهن حظاً أكثر سعادة.

ترفع رأسها وتنظر لمصففة الشعر في محاولة منها للعثور في وجهها على أي ملمح من ملامح الساحرات، يخيل إليها أنها سوف تراها تقوم بحركات طقسية وهي تقص شعرها أو تتمتم ببعض العبارات التي سوف تجعل حظها أحلى.

مصففة الشعر تنجح فقط في منحها ابتسامة صافية وإعجاباً صادقاً بشكل وجهها بعد قص شعيراتها السوداء الطويلة، تخبر نفسها فى المرآة أنها أصبحت سمراء قصيرة الشعر بعد أن ظلت لوقت طويل جداً سمراء طويلة الشعر، تتيقن أنها سوف ترحل وتأتي الساحرة الطيبة ذات القلب المكسور لتأخذ شعراتها من مصففة الشعر الحسناء وتذهب به حيث تصنع أحجبة كثيرة بروائح الفانيليا واللافندر لتجعل حظها أحلى.

............................................

"قصي شعرك تغيري حظك"

هي لا تريد من الساحرة الطيبة أن تغير لها حظها، هي فقط تريد منها أحجبة تجعل القلق يكف عن التهام قلبها كل مساء، تصنع لها أحجبة لتكف عن الخوف من كل/أي شىء، تود من الساحرة الطيبة التي كسر قلبها يوماً ما أن تضمن لها أنها لن تكون هي الأخرى ساحرة طيبة تصنع أحجبة للفتيات.

تفكر كثيراً في أنها تود لو رأت ساحرة الشعر القصير تلك، لابد أنها تصنع الأحجبة من الدموع والدعوات والشعيرات السوداء والصفراء وصلوات القلوب، لابد أنها تنكأ جرحها يومياً في سبيل تحسين حظ الفتيات الأخريات، تصنع لهن أحجبة وتنظر لهن في البلورة السحرية لترى حظوظهن تصبح أحلى فتسعد وتبحث عن شعيرات أخرى لفتيات أخريات لتمارس طقوسها المقدسة.

تفكر كثيراً جداً وتنظر للبحر وتعبث بخصلات شعرها القصيرة الجديدة، تسمع صوتاً دافىء يخبرها أن "تعرفي شكلك حلو أوي وشعرك قصير"، تلتفت لتجده يقف خلفها متأملاً شكلها الجديد، تنهض من جلستها وتقف أمامه، يخلل أصابعه في شعرها القصير ويحتضنها بقوة، تظهر في الأفق جنية طيبة تلوح لها من بعيد وتغمز بعينها اليسرى وتختفي في الماء.


........إنجي إبراهيم.........

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

مذكرات جارة طيبة


" أن يورط المرء نفسه في شخص محروم للأبد، يعني أن تتحمل ثقلاً من الذنب، إنهم يحتاجون الكثير، وأنت تستطيع أن تعطي القليل"

لم تكن تلك جملة افتتاحية للرواية، ولا حتى لحظة فارقة فيها، هي فقط جملة تحتل الصفحة رقم ربعمائة وثلاثة عشر من تلك الرواية العبقرية "مذكرات جارة طيبة" لدوريس ليسنج والتي تمتلىء بجمل شبيهة تتلمس أوتار روحك برفق.

دوريس ليسنج -بالفعل- لم تكن أقل من أن تحصل على نوبل فى الآداب، تلك الكاتبة المليئة بالغضب والقلق والدفء، طاقة من الحكي تبهرك وتشدك نحوها لتغرق في كل التفاصيل التي تحكيها وتستمتع بها.

لم تكن تلك المرة الأولى التي أقرأ فيها لدوريس ليسنج، كانت تجربتي الأولى معها في رواية عبقرية تحمل إسم "الطفل الخامس" سوف أتكلم عنها باستفاضة لاحقاً، اليوم أحكي عن تجربتي الثانية معها "مذكرات جارة طيبة" التي تتقمص فيها دوريس دور المحررة الصحفية جين سومرز التي فقدت زوجها وأمها بلا أي مشاعر فقد حقيقية، جين التي تتعامل مع كل شيء عدا نفسها بمنتهى العملية، لا يهمها شيئاً سوى أن تعيش حياة كاملة تهتم فيها بكل شيء يخصها.

جين التي تمثلنا جميعاً، أنانيتنا المفرطة في حماية أنفسنا من الوجع دون لؤم، إستطاعت دوريس ليسنج أن تنقل لنا شخصية جين سومرز الطيبة الخائفة من الوجع مما يحملها أن تتخلى عن كل الإنسانيات وتستغرق في عملها وحمامها اليومي وفساتينها الأنيقة، وتتخطى فقد الأحباء بلا ذرة وجع واحدة.

جين التي ينقلب فيها كل شيء عندما تقابل مودي فاولر، جارتها المسنة الفقيرة العنيدة، تفرغ فيها جين كل شحنات الطيبة المخزنة داخل جيناتها، تعتني بها وتنظفها، تحممها وتحمل عبء رعايتها وترى فيها أمها التي لم تهتم لأمرها وفريدي زوجها الذي لم تمسك بيده مرة واحدة وهو يصارع المرض ويحايل الموت.

مودي فاولر، إستطاعت دوريس ليسنج عبرها أن تنقلنا بالزمن لنشاهد أنفسنا حين نكبر، هل سوف نكون واهنين للدرجة التي تجعل مودي تبول في ملابسها وتجعلها غير قادرة حتى على النهوض لجلب كوب ماء؟

مودي فاولر، هي الخوف الكامن بداخل كل منا أن تضيع حياته هباءاً، هي كل ما نحارب من أجله ونحن شباب، صراعنا تجاه الحياة لنحصل على الشريك المناسب، أن نحب وننجب أبناء، أن نغترف من الحياة بكلتا يدينا تحسباً لما سوف يحدث لاحقاً.

مودي فاولر وجين سومرز، وجهانا اللذان نقرأهما عبر رواية "مذكرات جارة طيبة"، الرواية التي اجتهدت دوريس ليسنج فيها أن تنزع غشاوة الأنانية عنا جميعاً، أن تأخذنا من أيدينا لتطرق باب الوهن قبل أن يطرق هو أبوابنا، أن توجه رؤوسنا ناحية فئة من المجتمع نتحاشاها جميعاً تجنباً للألم مهما كان داخلنا من طيبة.

دوريس ليسنج، تلك الكاتبة المبدعة التي أهدتنا رقة قلوبنا مغلفة بالعتاب الرقيق عبر حروف روايتها العبقرية، الرواية التي ظلمتها الهيئة المصرية العامة للكتاب عندما نشرتها تحت ترجمة رانيا خلاف، تلك الترجمة التي تعتبر بمثابة جريمة شنعاء وتشويه متعمد لرواية لم تكن تستحق تلك الجريمة البشعة التي طالتها.

ترجمة أقل ما يقال عنها أنها غير أمينة بالمرة، ترجمة شوهت جمال الرواية وعذوبتها، رانيا خلاف مترجمة لا أعرفها إطلاقاً ولا أعتب على عملها بوجه عام لأنني -ببساطة- لم أقرأ لها سوى ترجمة "مذكرات جارة طيبة" لحسن حظي بالطبع، ولكنني أتعجب من استهتار الهيئة الشديد بجودة إخراج الكتب وعدم دقتهم فى اختيار المترجمين لروايات بقيمة وأهمية سلسلة الجوائز لا سيما أن الروائية التي نحن بصددها حاصلة على جائزة نوبل.

ترتكب الهيئة المصرية العامة للكتاب جريمة كبيرة عندما تقوم بإنفاق ذلك المبلغ الهائل على الطبع والتوزيع وأجور العاملين ليخرج لنا بكتاب يجب أن يكون وجبة دسمة ونفاجىء بأنه لا يرقى حتى لمرتبة الوجبات السريعة.

على أي حال، لا أنصحك البتة بقراءة نسخة الرواية الصادرة عن الهيئة والتي سعر نسختها إثنى عشر جنيهاً فقط سوف تتسبب في إحراق دمك للغاية ولتبحث عن ترجمة "نضيفة" للرواية.


.........إنجي إبراهيم..........

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

ثرثرة


اليوم بطوله أسمع هلاوس، يخيل لي أن هناك هاتف يدق، رنة موبايل لا أستطيع تبينها أتوقف عما أفعله وأنصت فلا يتوقف الصوت ولا أستطيع تبينه، فأنظر لشاشة هاتفي المحمول لأجدها مطفأة فأتيقن أنها محض هلاوس.

في كل مرة أخرج فيها لعتبة المنزل لأخرج شيئاً ما، أرى ظلاً لفتاة على جدار السلم المواجه لي، فتاة تنظر ناحيتي بإصرار، أنظر لظلها وأدقق النظر لأتيقن أنها -ببساطة- أنا.

اليوم أعيش أحداث اليوم وأنا خارجه وأشعر أن كل لحظة تمر هي سطر يضاف في قصة قصيرة سوف أسرد فيها لحظات فتاة تعاني الهلاوس والقلق وتغرق الورد -الصناعي- في شاور برائحة الخوخ زاعمة أنها تنظفه. فتاة تتعجب كيف بقى أخضر بوكيه الورد -الحقيقي- الذي جلبته أنت أخضر كما هو.

تتعجب كيف أنها في كل مرة تقابلك فيها تشعر كأن رائحتك التصقت بها، ترى أن رائحتك مميزة جداً، فتاة تجلس لتكتب تلك الكلمات وهي تأكل جالاكسي فلوتس التي جلبتها أنت أمس وتفكر في العطر، عطرك الذي لا تقصد به ذلك البرفان ذو الإسم الغريب الذي تستخدمه أنت ولكنها تفكر في العطر الذي يتسرب منك خلسة، رائحتك التي تلتصق بها في كل مرة تراك فيها، رائحتك التي تلخصك بالكامل.

أعرف أنك تحبني، وأعرف أنني أرهقك جداً بقلقي المفرط وهلاوسي التي لا تنتهي، أعرف أنني أضغط على أعصابك بشدة عندما أطالبك بلا شىء وأتعجب من أنك لم تفهم كلماتي التي تتمحور غالباً حول "أنا..أصل..بص..قولي..sooner is better..لو..تمشي..لو..لو..لو" ، أعرف أنني أعاني فيضاً من الهلاوس يمكنه أن يكفي سكان السبع قارات وأنك تتفهم ذلك، وأعرف أنني لن أتوقف عن القلق وأعرف أنك سوف تظل تتفهم وسوف تظل تحبني.

اليوم غريب، غريب للدرجة التي وجدتني فيها أقول لصديقتي أنني جاهزة للموت، وأخبرها بضرورة أن نغضب وأن "ندبدب برجلينا في الأرض"، أحفزها لضرورة أن تستهلك قواها في الانفعال حتى تنتهى شحنته تماماً وتتطهر، أخبرها أنني أريد أن أخرج غداً وأنني سوف أذهب معها لمهرجان الألوان وأنني، لازلت جاهزة للموت.

تأتي رسالتك على هاتفي، أضحك، أود لو فعلت مثل ما فعتله بالأمس قبل أن أقابلك، أمس رقصت بهستيريا على أغنية "can't take my eyes off you" لفرانك سيناترا، رقصت كما لم أفعل من قبل، رقص يحمل في طياته الكثير من "الهبل"، كنت أستهلك قواي، أتنطط في كل الاتجاهات، أرفع ذراعاي عالياً وأدور وأدور وأدور وأضحك، الأغنية لمست وتراً يعاني الهبل في عقلي فانطلق قي أوضح صوره، اليوم لم أستطع أن أقوم بتأدية نفس المشهد، ليس لأنني قمت بمسح المراوح وتنظيف الأرضيات وتلميع الخشب، ولكن فقط لأن هناك أشخاص لا يحملون إسمي يتواجدوان في حيز المشهد.

كنت أقول رسالتك، نعم رسالتك كانت بطعم الجلاكسي فلوتس التي انتهيت منها تواً وأرغب في أخرى. نعم أرغب في أخرى، دائماً أرغب في أخرى ودائماً أظهر العكس و...، هل تفهم؟؟

على أي حال، أنا فقط أثرثر عن كل شىء، أمتلك في الأيام القادمة فراغاً بحجم أسبوع كامل يمكنني فيه أن أمرح مع الهلاوس وأفكر ألف ألف مرة في الدقيقة الواحدة عن احتمالات المرحلة القادمة، تلك المرحلة التي أعرف أنها -إن مرت- سوف تكون ذكريات بطعم الفراولة، تلك الفاكهة المحرمة التي تعرف حلاوتها بعد تذوق اللسعة الأولى وبعد أن يعتاد لسانك على ملمسها الخارجي.


بعد الحمام ومعطر الجسد برائحة ال"شىء ما" الاستوائية، لا أتبين رائحتك، أحادث صديق ما على ال"google talk"والذي لا أتذكر أنني أنشأت حساباً عليه من الأصل، يسألني عن أحوالي فأخبره بالكثير من الترهات عن العمل والأصدقاء، ثم يسألني عنك فأخبره أن "my man is a real one" أقولها وأبتسم وأقرر أنني سوف أهاتفك الآن لأقرأ لك ثرثرتي تلك، وأقرر أنني إذا لم أتمكن من أن أسمعها لك، لن أدع أحداً يقرأها وسوف تظل مسودة للأبد.


.........إنجي إبراهيم......