الثلاثاء، 6 مارس 2012

مواقيت


(1)

للذبح مواقيت، كمعاملته للأضحية في كل عيد، صباحاً في البكور يريح الرأس على الوسادة، يرفع
يده عالياً، ثم يذبح نفسه يومياً.

...............................
(2)

تبتسم للقطار، تنظر يميناً وتجده يتمهل في الخطو ليغادر المحطة، تقول لنفسها لو كنت فقط تأخرت دقائق لكان أمكنك أن ترتطمي به وتزعمي أن الاستعجال هو ما منعك من النظر حولك.

يؤنبها ضميرها وتتسائل..يعني هتقولي لربنا كنت عاملة نفسي نايمة؟؟

...............................

(3)
يهديها وردة، وردتان، ثلاث وردات ويقف لينتظر ابتسامة عيناها. تأخذهم وتستدير وينتظر أن تحبه.

بعد ثلاثة أيام تبعث له برسالة "الورد مات..البقية في حياتك..فرصة سعيدة"ا

...............................

(4)
للبكاء مواقيت، كالتطهر تنسحب يومياً للحمام، تريح رأسها على الحائط المقابل للمرآه، تبكي بعنف ثم تغسل وجهها وتخرج مبتسمة بإرهاق.

...............................
(5)

يخرج للعمل يومياً، يبتسم في وجه من يقابلونه، يأكل ويضحك ويشاهد السينما. ينام ليحلم بها ويبكي بحرقة، وعندما قابله صديق قديم وسأله عنها أجابه بابتسامة "قتلتها"ا



.........إنجي إبراهيم.......

الأحد، 26 فبراير 2012

يهوذا يسكب الملح باستمرار


ينظر يهوذا للملح المنسكب أمامه على الطاولة بذهول، ومن عمر اللوحة تعتبر تلك علامة الخيانة.

عن لوحة العشاء الأخير لدافينشي أتحدث، في اللوحة كان يهوذا هو الخائن الوحيد للسيد المسيح، وهو الوحيد الذي انسكب الملح أمامه، ينظر يهوذا أمامه وتشعر عندما تنظر للوحة أنه منفصل تماماً عما يحدث حوله.

يهوذا خائن، ولذلك كان انسكاب الملح أمامه علامة تجعله خائف في اللوحة، يمكنك أن تسمع صوته يصرخ عبر الألوان "أنا خائن..إصلبوني وحرروني من ثقل الذنب"، يهوذا الخائن كان يعرف أنه خان السيد المسيح، ويلعن حتى الآن في كل الأديان، يلعن لأن خطيئة الخيانة أثقل من أن نتسامح معها، ولأن الخيانة الأولى جلبت ألماً لا يطاق للبشرية، فالصلب والتعذيب ليسوا من الرفاهيات لو كنت تعلم ما أعنيه.

يهوذا يتألم، يتعذب في صمته الخائن، لم تكن خيانته نزهة بالدراجة في الهواء الطلق، يهوذا يعرف ما اقترفته يداه، عيناه تفصح عن ذلك بوضوح في اللوحة. يهوذا الخائن يعرف أن الخيانة خطيئة لا يمكن التراجع معها عما قلته، الخيانة تلوث يديه بالكامل، تلوث قلبه، وتلوث كل القادم من عمر البشرية.

لم ينتبه أحد في اللوحة أن الملح انسكب أمامه، وحتى لو لاحظوا، لا يستطيع تحسس الريشة سوى من يحملها على رأسه طوال الوقت، يهوذا فقط هو من يعرف ما اقترفت يداه من ذنوب، يعرف أن السيد المسح لا يستحق خيانته، يعرف أنه ملعون وأن السيف سبق العزل، لن تستطيع وعود الأرض أن تمحو خياناته، وهو يعرف يقيناً أنه لا يستطيع الوفاء بها، الخائن يعرف قدراته، ويعرف أن الملح انسكب ولا جدوى من محاولة إرجاعة مرة أخرى.

في اللوحة لا نلوم باقي حواريين السيد المسيح أنهم لم ينتبهوا إلى انسكاب الملح ونظرة الذنب الفاضحة على وجهه، فيهوذا كان منهم، من منهم يمكنه أن يتهمه بأي خيانة؟ يهوذا أحدهم، يهوذا جزء منهم لا يخون، لم نلمهم لأنهم لم ينتبهوا، هم أنقى من أن يقوموا بتخوين أحدهم. لم نلمهم ونظل نلعن يهوذا حتى يوم الدين.

لم يكتفي يهوذا بخيانة السيد المسيح، ذرع بذرته الخائنة في الأرض، رسالة يحملها الخائنين من بعده، كلهم يسكبون الملح، وكلنا حواريين لا ننتبه، أبناء يهوذا يسكبون الملح باستمرار وينظرون لنا أن نعاقبهم، يتوسلون أن نسامح، يخونون حتى تمل منهم الخيانة ويستسمحون حتى يسأمهم التوسل. أبناء يهوذا الخائنين يلعقون الملح ويعطشون باستمرار لمسيح آخر يصلب ويفرون هم ملعونين حتى أبد الدهر.

يهوذا وبذرته يحملون الخطيئة بداخلهم، ويحملون الملح يسكبونه أمامنا طلباً للصلب كي يتطهرون، لا يعرفون أن يهوذا ترك ليتعذب ويلعن حتى آخر الدهر، وأننا لن نلتفت لتوسلات الصلب، فلنتركهم يلعقون الملح حتى آخر حدود اللعن.

أبناء يهوذا المساكين، أيها الملعونون في كل الأزمان، لا تسامح مع الخيانة، ذلك هو العشاء الأخير، اسكبوا الملح أو العقوه، أصلبوا أنفسكم على أعمدة الضمير، إستغفروا الله لخطاياكم وتوبوا حتى.

نحن لا نتمنى لكم سوى أن تتعفنوا في الجحيم.


............إنجي إبراهيم...........

الأربعاء، 15 فبراير 2012

فتاة القطن


منذ الطعنة لم يتغير أي شيء..ربما بكت أياماً..ربما هزلت ونقص وزنها..ربما ظلت متيقظة تحاصرها كوابيس صعبة بضع ليالي..كلها أشياء لا يمكن ملاحظتها..فلم يتغير أي شيء.

فقط شيئان كان المقربون يلاحظوهما..أنها أدمنت شراء القطن..وأنها لم تعد تحتضن أحداً في سلامها على الآخرين

.......................................

تجلس بينهم..تضحك عندما يلقي أحدهم دعابة..تأكل من كل الطعام الموضوع على الطاولة ..وتلقي بآراء حارقة تجعل الجالسين يضجون بالضحك..تعلق على كل شيء وتبتسم أحياناً..ثم تنسحب وتخبرهم أنها في حاجة للذهاب إلى التواليت

.......................................

فقط شيئان كان المقربون يلاحظوهما..أنها أدمنت شراء القطن..وأنها لم تعد تحتضن أحداً في سلامها على الآخرين

..........................................

صديقتها المقربة لاحظت..تتابعها بنظرها طوال الجلسة..تعرف أنها تداري شيئاً ما..تنظر لها متسائلة عبر الطاولة..فترتد نظراتها مطمئنة إياها أنها بخير..فقط عندما تسحب حقيبتها المليئة بالقطن وتغادرهم تتهرب من نظرات صديقتها ولا تجيب بأي شيء.

تغادرهم ورائها للتواليت..تنظر لها في المرآة وتسألها لماذا لا تبكي؟؟ ولماذا كفت عن أن تلقي بنفسها في حضنها وتنشج..تنظر لها فى المرآة وتخبرها أن لا شىء هنالك..فقط هي مرهقة مما حدث.

تتكلم صديقتها كثيراً عن أن تلك الطعنة سوف تقويها..وأن الله نجاها مما هو أشد..وأن قلبها سوف يتعافى..وأن كل شيء بقضاء..تكلمت كثيراً جداً حتى ملت الكلام وذهبت.

............................................

فقط شيئان كان المقربون يلاحظوهما..أنها أدمنت شراء القطن..وأنها لم تعد تحتضن أحداً في سلامها على الآخرين

............................................

مرات أخرى كثيرة..ترافقها صديقتها لأماكن جديدة..تراقبها وهي تأكل وتضحك ثم تنسحب بحقيبة القطن لمكان قصي..ناشدتها كثيراً أن تحكي.أن تزيح ما يثقل كاهلها..ناشدتها أن تسب من طعنها في القلب..أخبرتها أن هناك طاقة غضب لابد من تفجيرها تماماً..ناشدتها كثيراً أن تعود وتحتضنها

وفي كل مرة..كان يمل منها الكلام..وتنسحب من أمامها محتضنة حقيبتها الملآى بالقطن وتغلق أحد الأبواب.

.............................................

دعتها صديقتها لتبيت في منزلها يومان..أخبرتها أن ذلك مفيد جداً لها..ربما تنحل عقدة لسانها في الليل والأنوار مطفأة كما اعتادوا دوماً..رجتها كثيراً أن تقبل الدعوة و وعدتها أنها لن تحدثها في أمر طعنة القلب إلا إذا تحدثت هي..ولن تجبرها أن تحتضنها وتبكي..وعدتها أنها سوف تتركها لآخر حدود الراحة..وكما تريد تماماً.

............................................


فقط شيئان كان المقربون يلاحظوهما..أنها أدمنت شراء القطن..وأنها لم تعد تحتضن أحداً في سلامها على الآخرين

.............................................

قبل النوم..وبعدما جهزت صديقتها لها الفراش..طلبت منها أن تخلي الغرفة دقائق لأمر ما..تعجبت صديقتها من الطلب..طوال سنوات معرفتهن كن يستبدلن ملابسهن بحرية..ما الجديد في الأمر إذن؟؟

وافقت على مضض..وإن أشارت لغرابة الطلب ولم تتلق سوى هروب العينان من التساؤل.

خرجت من الغرفة ووقفت خلف الباب تسترق السمع..نهنهات خافتة تصدر منها وصوت يتألم بشدة.

اختلست النظر من وراء الباب.

الآن فقط فهمت لماذا أدمنت صديقتها شراء القطن..ولماذا كفت عن احتضان البشر..كانت طعنة القلب تنزف باستمرار..وكان القطن يخفي كل الوجع النازف..وكان صدرها لا يحتمل حضن الألم أكثر.



.......إنجي إبراهيم.........


الإهداء: لها هي..صديقة ليلات الحكي الخافت والنزف الذي يقطر وجعاً وفرح

الأحد، 12 فبراير 2012

دوائر


حسناً، أنا محبطة.

حقيقية رائعة عندما تكتشفها للمرة الأولى، أنا محبطة ولا أرى أي شيء في أي اتجاه، محبطة وأتظاهر بأنني لا أكتئب وأبتاع ملابس وبرفانات وأغير لفة الطرحة.

ولكنني لا أستطيع أن أضحك.

لا أسامحه، ذلك الذي جاء ليعكر كل شيء وتركني أتخذ قراراً ضرورياً بالنجاة بحياتي وسمعتي منه، لا أسامحه ولا أعتقد أنني سأفعل. فقط ما يشغل ذهني حقاً هو، كيف يمكن لكل هذا الشر أن يتواجد في محيط الكرة الأرضية؟؟؟ وكيف خاب قانون "يحدث للآخرين" الذي أتبناه في كل مصائبي؟؟ والسؤال الأهم على الإطلاق

لماذا لا يموت أولاد الوسخة؟؟

نعود لموضوعنا الأصلي، أنا محبطة. حقاً أنا محبطة للغاية وخائفة جداً، لم أتعود على كل ذلك الضباب الذي يحيط بي مؤخراً، دائماً كان هناك قبساً من النور يمنحه الله لي كي لا أجزع.

أين ذلك القبس الآن؟؟

ترعبني فكرة أن الله غاضب علي، وأنني كففت عن أن أكون طفلته المدللة التي "بيسترها معاها" أيما كانت الظروف، مرعوبة من فكرة أن كل ذلك عقاب، أو أنه مؤشرات لتهذيبي تقتضي أن يرحل قبس النور تماماً وللأبد.

رغم كل شيء، الله يمنحني أشياء حلوة، فقط لو أتأكد أنه ليس غاضب. فقط لو أتأكد أنها سحابة كما تقول الجملة العتيقة التي يواسون بها من تتوحل أقدامهم في طين المصائب.

فقط لو أتأكد يا رب.

ماذا كنا نقول؟؟ آه كنت أقول أنني محبطة، وأنني أوزع الطاقة السلبية بلا مقابل، وأنني كففت عن الضحك، وأنني لا أسامحه، وأنني أتسائل بعنف وإصرار

هل ذلك غضب يا الله؟؟

أنا محبطة جداً ولا أريد أن أعلق هنا، ربما مشكلتي باختصار هي عشقي لتلك الحياة الحقيرة بكل تفاصيلها، لذلك أحارب كي تصبح حياتي أحلى، ولذلك لا أقبل الهزائم، ولذلك أشعر الآن بالإحباط الجسيم لأن حياتي ليست على ما يرام، ولذلك أنا محبطة، وهكذا دائرة جهنمية لا أستطيع حتى التفكير في طريقة عبقرية للفرار منها.

المشكلة الحقيقية أنني - حقاً- لا أريد أن أعلق هنا، لا أريد أن أستمر في تلك الحالة البين بين، أكرهها ولا أريدها بحال.

باختصار أنا محبطة لأنني محبطة.

ليس لتلك النوت أي هدف سوى أن أفرغ طاقة الغضب داخلي وأن أرغي وأزبد فيما لا يفيد، وأن أتمنى منكم فقط أن تدعوا لله ألا يكون ذلك غضباً منه علي.


......إنجي إبراهيم........

الاثنين، 30 يناير 2012

لف وارجع تاني


ملخص ما حدث أني خدعت (بضم الخاء)، حسناً ماذا إذاً؟؟؟ لن أملأ الدنيا عويلاً صارخة من القفا المحترم الذي اتلسعته على قفايا بمنتهى الثبات.

أنا خدعت (بضم الخاء) أوكاي، لف وارجع تاني، هكذا، بمثل تلك البساطة، لف وارجع تاني، لن أشوه صورة أحد، لن أشهر، لن أتهم، لن أتدنى. فقط سوف ألف وارجع تاني.

سبعة أشهر من عمري، والكثير من المشاعر المستنزفة واللحظات الجميلة، سبعة أشهر من عمري يمكنني أن أستبدلها بهداياه الكثيرة وأقنع بتلك الترضية، فقط سوف أتخلى عن قنينة العطر الصغيرة لأنها تذكرني بالقفا بشدة وحدة.

أنا خدعت (بضم الخاء) وكان غيري أشطر كثيراً وخدع أيضاً، ماذا إذاً؟؟ لا يفيد البكاء على اللبن في البسكوت، فقط سوف أتظاهر أن نصوصي في الفترة الأخيرة لم تكن موجهة له تحديداً وسوف أتظاهر أنها من وحي خيالي الخصب.

أنا خدعت (بضم الخاء) ولذلك لن أتخذ أي إجراء ولن أتقمص دور المعددة ولا الأرملة ولا تلك الفتاة التي استيأست فيأسها الله.

أنا خدعت (بضم الخاء) ولذلك سوف ألف وارجع تاني.

بس كدة.


......إنجي إبراهيم.......

السبت، 21 يناير 2012

لدغات حسن كمال




انتي قريتي كشري مصر؟؟
لا والله

عمرو إديني الكتاب دة اقراه "كشري مصر"
لا يا إنجي بطلت اسلف كتبي لحد

إنجي..انتهزي فرصة ان معاكي فلوس وروحي ديوان اشتري لدغات عقارب الساعة
فلوسي خلصت

في قصة فى المجموعة اسمها حيثيات دفاع "وحكاهالي بحرفنة"
حلوة أوي

إنجي..أنا جبتلك لدغات عقارب الساعة..ونسخة موقعة من دكتور حسن كمان
صمت رهيب كالعادة

تلك كانت ملابسات تعرفي على كتابة حسن كمال، حصلت في النهاية على نسخة من "لدغات عقارب الساعة"، تلك المجموعة القصصية التي لن تصدقها ما لم تقرأها.

حسن كمال – من وجهة نظري – يكتب من قلب الشارع، كل أبطاله لابد أن تكون قابلت أحدهم يوماً ما، كل قصصه لابد أنك عايشت طرفاً منها ولم تنتبه، يكتب من قلب أسفلت الشوارع ومصابيح البيوت، كاتب يستخدم خياله في عجن الحكاية، يلتقط طرفها من الشارع ويغدق عليها خيالاً يجعلها تمسك مس رفيق.

قرأت المجموعة المكونة من اثنان وعشرون قصة قصيرة في يومان فقط، إقتطع منهم دوام العمل وساعات النوم وشرب النسكافيه والعراك فى المواصلات ومقاومتي للريجيم وانتصاري على الطعام وانهزامي أمامه في لحظات أخرى ومكالمات الهاتف ليتبقى بالتقريب ساعة ونصف التهمت فيهم الكتاب على مرتان.

أعتقد أنني قرأته في أفضل ظروف تتماشى معه، وسط الناس، في المواصلات العامة، أنهي القصة وأتطلع في الوجوه من حولي لأحاول تبين أيهم هو الأب الذي كتب مذكراته وأنهاها بأسماء أبنائه، أيهن تلك السكرتيرة التي تعاني من المسمار في كرسيها، أين ذلك الأب الذي يلتقط صورة إبنه في أول خطوة، من ذلك الحفيد العبقري الذي دار مع بائع الروبابيكيا لاسترجاع صندوق جدته.

أصدقك القول، كنت أراهم أحياناً، يمكنك أن تجد بسهولة "سعيد" الذي قال عنه حسن كمال أن حقوقه كلها مسلوبة، حتى حق الاستمتاع بزوجته في النور، وأن ترى شاب البنزينة الكادح الذي يغلق قلبه على قصة حب كانت كل حيثيات دفاعه فيها الحب وحده.

لم يستخدم حسن كمال فى المجموعة خياله لإثارة غيظي بنهايات سعيدة بلهاء، بل ظل يصفعني بقوة في كل قصة بنهاية محبوكة جداً وواقعية جداً علني أفيق وأمثالي.
حتى في القصص الفلسفية التي تناقش معنى ما، لم يغلفها حسن بكلمات فارغة أو مواقف خيالية، عندما ناقش في أحدى القصص كيف يرى كل منا الحياة / المعاني / التصرفات من منظوره الخاص، جعل القصة تتحدث عن فتاة تقتل صرصور. هكذا، بمثل تلك البساطة يأسرك حسن كمال بحرفنة قلما تجدها بين دفتي الكتب.

عناوين قصصه لها شأن آخر، ينتقي العناوين التي لا يمكنك أن تتخيل غيرها للقصص، دائما لي مشكلة كبرى مع العناوين، فإما عنوان يعدك بما لن تجده في النص، أو عنوان يظلم النص ويبخسه حقه. للحق رأيت في مجموعة حسن كمال عناوين تليق بالمحتوى، عناوين من الواضح تماما أنه بذل فيها مجهودا ولم ينتقيها بلا شغف.

أمكنني أن أطل على قلب حسن كمال خلال قصصه، يمكنك أن تستشف أنه أب جيد، زوج مقدر، إبن يحب والده بجنون. وضع حسن كمال عصارته في الكتاب، ذلك – من رأيي – هو مثال الكاتب الذي نقول جميعاً أنه يترك قبساً من روحه في كتابته.

في النهاية، أرى أن المجموعة من أرق ما قرأت مؤخرا، بساطة موجعة وعمق شفيف يغلفه لغة سهلة لا يتحذلق فيها الكاتب عليك.

لا يتحذلق للدرجة التي جعلتني أورد إسمه طوال المقال دون لقب دكتور مع أنه – بالتأكيد – يستحق.

بقى أن أقول أن المجموعة إصدار دار بوك هاوس للنشر والتوزيع بتكلفة خمسة وعشرون جنيهاً.


.......إنجي إبراهيم.......

الاثنين، 16 يناير 2012

فاتنة الغواية


"في البدء كانت الفتنة، عمدتها ساحرة القرية بطقوس الإغواء وألقت بها بينهم"

كانت الفاتنة بينهن، سمراء مكتملة، ناضجة لدرجة تثير الغيظ في قلوب السيدات، وتثير أشياء أخرى فى قلوب الرجال. كانت دائماً مرفوعة الرأس، بعضهم يقول أنها مغرورة، البعض الآخر يقول أنها طيبة، آخرون يقولون أنها ساحرة، وجميعهم يجتمعون على أن لها مذاق الشوكولا.

كل من فاز منها بقبلة تحت شجرة البيلسان يقسم بهذا، يقولون أن شفاهها تذوب تحت وطأة الحب، هي خلقت للفتنة والإغواء، كل من تأسره عيناها يطلب منها أن تكون ملكه، يقابلها في ليل القرية الحالك، لا يحكي أحدهم تفاصيل، فقط يقسم جميعهم أن لها مذاق الشوكولا، ويقولون أنها تذوب ثم لا يعودون للحديث إليها مجدداً.

"في العشرون أقاموا احتفالاً صاخباً، ساحرة القرية سوف تفصح عن نبوءات الجيل، كل من ولد منذ عشرون عاماً يجلس بالساحة، تدور بينهم متوكأة على عصاها، تقترب من بنت الغواية وتدمع عيناها"

السمراء الفاتنة حزينة، وساحرة القرية تعرف السبب، لم تفصح الفاتنة عن سر ليالي البيلسان، لم تخبر أحداً أن ليالي البيلسان كانت تعتصر الشوكولا من عروقها وتمنحه لعروق شركائها، في كل مرة تمنح رحيق الشوكولا لأحدهم يجد حب حياته، وهي حزينة، جميعهم يتركها بعد أن تسكب في عروقه السر. فقط يقدسون رحيقها ويذهبون، يحنون رؤوسهم عندما يقابلنها في الطريق تقديساً لها، وينجبون أولاداً كثر ويسعدون زوجات شابات يقدسونها بدورهن.

"سوف يزول الحب عن القرية – قالت الساحرة العجوز- لن تمنحيه مجدداً، أوشك المخزون أن ينفذ، سوف تتحقق المعجزة عندما يأخذك هو، كفي عن أن تمنحيهم الحياة واقبلي هبته"

مرضت الفاتنة السمراء، كف الفتيان عن الحب في القرية، ذبلت الشابات اليافعات ولم تجدن من يتزوجهن. كف رحيق الشوكولا عن التدفق في عروق القرية، وكادت شجرة البيلسان تذبل.

"في الليلة القمرية، سوف تتحقق النبوءة، إتبعيه – قالت الساحرة العجوز - ولا تترددي أن تتركيه يهبك ما أنفقتي العمر تهبيه"

في احتفال القرية الأخير بها خرجت السمراء الفاتنة المريضة معهم، لونها ذبل توسطتهم والعيون تنظر لها بوجل، من منحتهم السعادة والحب يبكون مرضها ويرددون أن لولاها ما عاشوا، ومن لم تمنحهم التعويذة يبكون مرضها لأنهم لم يلحقوا بالرحيق قبل أن ينفذ.

ذهبت لتودع شجرة البيلسان، فوجدته هناك، غريب لم تره قبلاً في القرية، سألها أن تتبعه لعالمه حتى تشفى، لم يكن يشبههم، كان يشبهها أكثر، أسمر له نفس لون بشرتها، تتشمم الهواء حوله فتجده معبق بالشوكولا، يخبرها أنه هرب من عالمه هو الآخر، يحكي لها حكايته التي تشبه حكايتها كثيراً، يسألها أن تتبعه لعالم ثالث لن يستنزفهم فيه أحد.

وافقت الفاتنة أن تتبعه، أمسك يدها عند شجرة البيلسان وقبلها، ذابت وذاب معها، إمتزجا معاً وسالا عند قدمي البيلسانة نبعاً للشوكولا يمنح القرية الحب للأبد.

" في البدء كانت الفتنة، وفي النهاية ذاب السكر عند سفح القرية وتركتهم الفاتنة ورحلت".


........إنجي إبراهيم........

*النص ضمن مشروع دون لصورة الذي دعا له الأصدقاء على فيس بوك وأعجبتني الفكرة كثيراً

*لينك الإيفنت على فيس بوك
http://www.facebook.com/events/174420579324944/