الأربعاء، 15 فبراير، 2012

فتاة القطن


منذ الطعنة لم يتغير أي شيء..ربما بكت أياماً..ربما هزلت ونقص وزنها..ربما ظلت متيقظة تحاصرها كوابيس صعبة بضع ليالي..كلها أشياء لا يمكن ملاحظتها..فلم يتغير أي شيء.

فقط شيئان كان المقربون يلاحظوهما..أنها أدمنت شراء القطن..وأنها لم تعد تحتضن أحداً في سلامها على الآخرين

.......................................

تجلس بينهم..تضحك عندما يلقي أحدهم دعابة..تأكل من كل الطعام الموضوع على الطاولة ..وتلقي بآراء حارقة تجعل الجالسين يضجون بالضحك..تعلق على كل شيء وتبتسم أحياناً..ثم تنسحب وتخبرهم أنها في حاجة للذهاب إلى التواليت

.......................................

فقط شيئان كان المقربون يلاحظوهما..أنها أدمنت شراء القطن..وأنها لم تعد تحتضن أحداً في سلامها على الآخرين

..........................................

صديقتها المقربة لاحظت..تتابعها بنظرها طوال الجلسة..تعرف أنها تداري شيئاً ما..تنظر لها متسائلة عبر الطاولة..فترتد نظراتها مطمئنة إياها أنها بخير..فقط عندما تسحب حقيبتها المليئة بالقطن وتغادرهم تتهرب من نظرات صديقتها ولا تجيب بأي شيء.

تغادرهم ورائها للتواليت..تنظر لها في المرآة وتسألها لماذا لا تبكي؟؟ ولماذا كفت عن أن تلقي بنفسها في حضنها وتنشج..تنظر لها فى المرآة وتخبرها أن لا شىء هنالك..فقط هي مرهقة مما حدث.

تتكلم صديقتها كثيراً عن أن تلك الطعنة سوف تقويها..وأن الله نجاها مما هو أشد..وأن قلبها سوف يتعافى..وأن كل شيء بقضاء..تكلمت كثيراً جداً حتى ملت الكلام وذهبت.

............................................

فقط شيئان كان المقربون يلاحظوهما..أنها أدمنت شراء القطن..وأنها لم تعد تحتضن أحداً في سلامها على الآخرين

............................................

مرات أخرى كثيرة..ترافقها صديقتها لأماكن جديدة..تراقبها وهي تأكل وتضحك ثم تنسحب بحقيبة القطن لمكان قصي..ناشدتها كثيراً أن تحكي.أن تزيح ما يثقل كاهلها..ناشدتها أن تسب من طعنها في القلب..أخبرتها أن هناك طاقة غضب لابد من تفجيرها تماماً..ناشدتها كثيراً أن تعود وتحتضنها

وفي كل مرة..كان يمل منها الكلام..وتنسحب من أمامها محتضنة حقيبتها الملآى بالقطن وتغلق أحد الأبواب.

.............................................

دعتها صديقتها لتبيت في منزلها يومان..أخبرتها أن ذلك مفيد جداً لها..ربما تنحل عقدة لسانها في الليل والأنوار مطفأة كما اعتادوا دوماً..رجتها كثيراً أن تقبل الدعوة و وعدتها أنها لن تحدثها في أمر طعنة القلب إلا إذا تحدثت هي..ولن تجبرها أن تحتضنها وتبكي..وعدتها أنها سوف تتركها لآخر حدود الراحة..وكما تريد تماماً.

............................................


فقط شيئان كان المقربون يلاحظوهما..أنها أدمنت شراء القطن..وأنها لم تعد تحتضن أحداً في سلامها على الآخرين

.............................................

قبل النوم..وبعدما جهزت صديقتها لها الفراش..طلبت منها أن تخلي الغرفة دقائق لأمر ما..تعجبت صديقتها من الطلب..طوال سنوات معرفتهن كن يستبدلن ملابسهن بحرية..ما الجديد في الأمر إذن؟؟

وافقت على مضض..وإن أشارت لغرابة الطلب ولم تتلق سوى هروب العينان من التساؤل.

خرجت من الغرفة ووقفت خلف الباب تسترق السمع..نهنهات خافتة تصدر منها وصوت يتألم بشدة.

اختلست النظر من وراء الباب.

الآن فقط فهمت لماذا أدمنت صديقتها شراء القطن..ولماذا كفت عن احتضان البشر..كانت طعنة القلب تنزف باستمرار..وكان القطن يخفي كل الوجع النازف..وكان صدرها لا يحتمل حضن الألم أكثر.



.......إنجي إبراهيم.........


الإهداء: لها هي..صديقة ليلات الحكي الخافت والنزف الذي يقطر وجعاً وفرح

هناك 5 تعليقات:

شيماء علي يقول...

حلوة يا انجي :)
فريدة للغاية .. برافو .

Foxology يقول...

رائعة ... متميزة

تحياتى

P A S H A يقول...

روعة بجد والله
:)

ديدي يقول...

قشعريرة سرت في جسمي وأنا أقرأ المقطع الأخير .
كالعادة مبهرة ومبدعة ):):

Bent Ali يقول...

أنا قلتلك الله يسامحك ولا لاء؟