الثلاثاء، 13 ديسمبر، 2011

المسافات



كان العنوان موفق جداًمن وجهة نظري، فتلك الرواية لا تتحدث عن شخوصها سعاد وليلى وعلي والشيخ مسعود، الرواية -قطعاً- تتحدث عن المسافات الفاصلة بين الواقع والخيال، أو بكلمات أكثر إنصافاً، تتحدث الرواية عن المسافات التي كانت يجب أن تكون فاصلة بين الواقع والخيال.

أعتقد أنني لن أتحدث تلك المرة عن الرواية ولن أعطي تلميحات تغريك بقرائتها، فقط سوف أتحدث عن السحر المتسرب بين السطور، عن الحضور الطاغي للأستاذ إبراهيم عبد المجيد في الكلمات.

يا الله، كيف يمكن لكل هذا الشغف أن يتجمع في رواية واحدة؟؟ سحر بالمعنى الحرفي الكامل للكلمة، لم تكن تلك تجربتي الأولى مع أستاذ إبراهيم عبد المجيد، ولكنها تجربة تختلف، قرأت له كثيراً من قبل وتفاعلت وأحببت وبكيت ورق قلبي، ولكنني لم أنوم مثلما حدث معي وأنا أقرأ المسافات.

تحكي الرواية عن عشرين بيتاً يسكنهم عشرون أسرة على ضفاف بحيرة ما، لا يعطيك أي ملامح للمدينة أو المكان، فقط بحيرة تحيط بها نباتات الحلفا ويسطع القمر فوقها، هكذا بلا سابق إنذار يقرر الكاتب أن يشرك القارىء في عملية الخلق، فيمكنك أن تقرر أنت ستكون بحيرتك وأين سوف تدور الرواية.

يسكن البيوت رجالاً ونساءاً مفرطين في الواقعية الخيالية، يمكنه أن ينقل لك تفاصيل حياتهم الواقعية جداً من طقوس خبيز الأفران وإشعالهم للفواريكة للتدفئة ورقصهم في الاحتفالات، ويمكنه أن يستفز عقلك ليتخيل مشهد خيالي جداً لأحدهم ينمو جسده نمواً هائلاً في يومين وأخرى تصغر حتى تكون وجهاً بأذرع وسيقان مثل الدبابيس أو أن يقنعك أن أحدهم لا يستطيع النظر لعين الشمس وأنها تطارده.

في المسافات يحيا كل منا في عالمين، قدم في العالم الذي يمكنك أن تلمسه وتشمه وتسمعه وقدم في عالم أثيري قوانينه تختلف عن كل شيء عرفته قبلاً.

في المسافات "وروايات إبراهيم عبد المجيد عموماً" هناك إجلال يشبه التقديس للنساء، يمكنه أن يرى الجمال بشفافية رقيقة، يصف إبراهيم عبد المجيد نسائه حتى الغرور، يمكنهم من التمتع بكل تفصيلة خلقت فيهن، يستطيع أن يعلو بهن فوق صفات البشرية حتى لو كن مغرقات في الواقعية، يجعلهن حوريات في كل شيء بارعات في الحديث براعتهن في الفراش، كلمات إبراهيم عبد المجيد عنا "نحن نون النسوة" تحلق بنا فوق الواقع وتجعلنا قادرات على إغواء كل شيء حتى الهواء.

تمتلىء الرواية بحالات ساحرة وأحداثاً مغرقة في الخيال، يمكنك فيها أن تنفس عن ضيقك من واقعك المادي جداً والسفر معه للمدينة الغامضة التي يذهب لها كل سكان ضفة البحيرة ولا يعودون، يمكنك أن تستمع لحن المسفر فوق القطارات الذي يعزف الناي ولا يعبأ بالنزول في المحطات، شخصيات خيالية تعيش معهم صفحات حياتهم وتنسل من واقعك الخانق لتعود أكثر وعياً بكل شيء.

خيالية رواية المسافات لا تنتمي لذلك النوع من الخيال الذي يجعلك ساخط على واقعك أو على الكاتب، لا يجعلك تشعر ولو مرة واحدة أن هناك استخفاف بعقلك، على العكس تماماً فخيالية رواية المسافات تجعلك تعتقد بشدة في أن هناك أموراً تحدث حولك لا قبل لك بها، أموراً خارجة عن إرادتك تماماً ولا قبل لك بها، تجعلك تفكر في احتماليات أن تكون صدف حياتك كلها ليست صدفاً بالمعنى الحرفي وأن هناك دوائر أخرى تدور على مسافات قريبة منك.

رواية المسافات تحررك من قيد أن تكون أنت المسيطر على كل شيء لبعض الوقت، تحرر يجعلك تزيح مسئولية الكون من على كتفيك لبرهة، تستمتع فيها بالسحر لتعود أكثر اقتناعاً أنك أنقى وأنبل، وأسعد حظاً.

.......إنجي إبراهيم........

هناك 5 تعليقات:

إيناس حليم يقول...

حلو اوي تحليلك للرواية يا انجي.. هجيبها

WaLeeD يقول...

أوعدك إني هنزل النهارده أجيبها .. يخربيت أم التَمَاهي اللي عيشتيني فيه !

Foxology يقول...

نادرا ما أجد تقديمة لرواية خيالية مشوقة للقراءة

تحياتى

donkejota يقول...

شكرا على عرضك الرائع للكتاب شوقتني لقراءتها

الرواية عندي منذ فترة سأضعها على قائمة كتب شهر يناير

تحياتي

وجع البنفسج يقول...

حديثك عن الكتب .. يشجع البحث عنها لسبر أغوارها ..

أسعدني العرض وان شاء الله ابحث عن الرواية واحملها اذا كانت متوفرة الكترونيا .