الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

ميراث الخسارة


كان يجب أن تكون الرواية على تلك الدرجة من الحرارة والحرقة، كان يجب أن تكون حريفة وساخنة وحميمة.

ميراث الخسارة، تلك الرواية التي تلتهمك بالكامل لتنقلك في زيارة قوامها ربعمائة وتسعة عشر صفحة للهند. الهند الحقيقية تلك التي تزدحم بأحلام ويوميات شعب أسمر حار الدماء متقلب.

كيران ديساي، الكاتبة الهندية التي نجحت في ألا تثير نفوري رغم الفقر والجهل والخزي والقلاقل التي تفعم الرواية كانت تستحق عن جدارة جائزة البوكر الدولة لعام 2006.

في الرواية سوف تفعم أنفك رائحة البهارات الهندية وسوف تأخذك بالكامل علاقة "ساي" و "جيان" الغضة الممتلئة رغبة وبراءة، الشابة المحبطة اليتيمة المكروهة والشاب الفقير المحبط، يكتشفان نفسيهما للمرة الأولى معاً. تمكن الكاتبة من نقل أحاسيسهما الجديدة ودهشة ساي من اكتشاف نفسها للمرة الأولى، تدخل بك "كيران" إلى قلب ساي لتتعرف نفسك هناك، ربما تجد نفسك في موقف ساي، ربما تكتشف أنت الآخر أنك بصدد اكتشاف آخر، هو أنت بكل بساطة.

عمق شخصية القاضي وعناده وغروره المقيت، شخصيته الضعيفة التى داراها طوال حياته كما كان يداري سمار وجهه بمساحيق التجميل، كراهيته لنفسه والتي تنعكس بوضوح أسطوري في كراهيته للبشر، تأنيب ضميره المستمر والذي منعه من أن يتواصل مع أحد سوى كلبته "مات" التي يفقدها في النهاية جراء بغضائه الشديد.

صفعتني الرواية صفعة قوية وأنا أقرأ عن قلاقل الهند وعدم استقرار الأوضاع الأمنية بين الهنود والنيباليين، ذكرتني بشدة بما يدور الآن في مصر، نفس الصورة المظلمة على نطاق أوسع، انقبض قلبي كثيراً وأنا أقوم بحساب الوقت المتبقي حتى تلحق مصر بالهند في وضعها المذري.

يمكنك أن تربط بيننا وبينهم عبر الحديث مع شاب مصري يريد السفر والهجرة، سوف ترى فيه ملامح "بيجو" الشاب الهندي إبن الطباخ الفقير المتملق الضعيف، بيجو الذي أحرقه شوقه لوطنه والذي شوهته "ماما أمريكا" ولم يطق صبراً حتى يقنع نفسه أنه سوف يعود لتنشق رائحة الهند مرة أخرى، فيستقبله الهنود بالسرقة ويعيدوه خالي الوفاض تماماً لأبيه الذي دفعه للسفر. تناقش كيران عبر شخصية بيجو رؤيتها في أن الهجرة للضعفاء الذين يتهربون من وخز الضمير ويتنصلون من جريمة الانتماء.

الرواية مليئة بمشاعر إنسانية غضة، الحميمية في أبسط صورها، تمكنت كيران ببساطة أن تعيد عمل ميكانيزم الإحساس لدي بسهولة، لغتها سهلة وتعبيراتها تنفذ للداخل مباشرة دون تعقيدات.

نقلت كيران الصورة كما أملاها عليها ضميرها الهندي، لم تتفنن في خلق معاناة من الفراغ، ولم تصدر لنا صورة الهند ذات المهرجانات والألوان المبهجة على طول الخط.

بقى أن أقول أن الرواية نشرت تحت رعاية الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة الجوائز، الإصدار الرابع والأربعون وثمنها - فقط - عشرة جنيهات.

صدقني إذا أنت قرأت ميراث الخسارة، لن يورثك ذلك إلا إحساساً وتعاطفاً ونبلاً شديداً.

...........إنجي إبراهيم..............

هناك تعليقان (2):

Ramy يقول...

مصدقك

و ان شاء الله فى أول فرصة تجينى هشتريها


شكراً ليكى

AHMED SAMIR يقول...

على الرغم اني اعشق الادب المصري و ليس لدي ميول لقراءة ادب اجنبي
الا ان عرضك للرواية قد شجعني على قراءتها
تحياتي