الجمعة، 21 أكتوبر 2011

أدوار


أنا الراوي الكلي القدرة في الأحداث، أنا الذي يرى من منظورأوسع يجمع كل دقائق المشهد التي لا يستطيع القارىء تخيلها وحده، في السينما أنا عين المخرج، أنا وجهة النظر، أنا الاتجاه الذي يريدك الكاتب أن ترى منه الحدث.

وأنا من يستطيع أن يخبرك من موقعه عن كل الموجودين في المشهد.

أستطيع أن أخبرك عن تلك العروس التي ينقلون "عفشها" على العربة نصف النقل، الأثاث متواضع، فقد غذاني الكاتب بمعلومة أن العروس من أسرة فقيرة وسوف تزف إلى بائع فول فقير بدوره.

هنا يمكن للكاتب أن يجعلني أخبرك شيء من اثنين، ربما يجعلني أقنعك أن الحياة قاسية جداً، فالفقر عندما يتزوج من الشقاء لا أقل من أن ينجبا التعاسة، ويجعلني أتبنى وجهة النظر تلك وأنقلها لك، أو يمكنه أن يجعلني أخبرك أن الحياة مازالت بإمكانها أن تكافئنا، الفقراء أيضاً يستطيعون الزواج، حتى بإمكانات محدودة.

حسناً، فلتختر وجهة النظر التي تروقك ولتتبعني إلى شخوص المشهد.

هل ترى تلك السيدة التى ترقص، حسناً سوف تفاجىء عندما أخبرك أنها ليست خالة العروس، ولا هي زوجة خال العريس، هي فقط جارة مصاب زوجها بسرطان الرئة منذ بضع سنوات، لديها ولدان، يستيقظون جميعاً -مع سكان الشارع- على صرخات زوجها من الألم كل يوم.

تلك الجارة ترقص في كل المناسبات، في كل مرة تزف إحدى فتيات الشارع، أو حتى تقرأ فاتحة شاب ما، حتى تراها ترقص بعبائتها المتسخة التي تخرج بها لتبيع الخبز ولتنشر غسيل الجارات العاملات وتتقاضى أجراً ضئيلاً يساعدها وزوجها، تلك الجارة تتدخل في كل شىء، كل مناسبة تجدها موجودة، بنفس العباءة الخضراء المتسخة -ربما تغيرها أحياناً بأخرى بنفسجية اللون- ترقص بحماس.

تلك الجارة تجدها أحياناً تبكي على قارعة الطريق، تشكو أعمام أولادها أنهم لا يساعدوها أبداً، تشكو أن زوجها يزداد مرضه ويحتاج المزيد من الأدوية في كل يوم، تشكو من كل شىء، ثم تمسح دموعها وتنضم للفرح المقام، وترقص.

أخبرتك أنني أنا الراوي الكلي للأحداث، ولكنني سوف أتحايل معك -أيها القارىء- على الكاتب ولن أجعله يحكم على تلك المرأة، لن أجعله يجعلك تتعاطف أو تنفر، للمرة الأولى يتحكم القارىء في الكاتب، أنا سوف أساعدك فقط وعليك أنت أن تقرر.

وبما أنني الراوي كلي القدرة، يمكنني أيضاً أن أخبرك عن عازف المزمار البلدي، ذلك الرجل الوسيم ذو الجذاء اللامع، شعره مصفف بعناية ويتلفع بشال تم كيه جيداً جداً، يختال بجلبابه الواسع ويعزف على المزمار أغنيات مبهجة، يشير للشاب الذي يتبعه إشارات ذات مغزى فتختلف النغمة، ربما يعزفان "يا نجف بنور يا سيد العرسان" وربما في إشارة أخرى يعزفون "كايدة العزال أنا من يومي".

هذا الرجل لا عمل له سوى تلمس أخبار الأفراح المقامة في الشوارع كي يحييها بمزماره، عشر دقائق لا أكثر، يخرج منها بما يجود به المدعوون، ربما يخرج ببضع عشرات من الجنيهات، وربما لا يخرج بشىء على الإطلاق، في كل الأحوال لا يتذمر، لا يشكو بخل أهل الفرح.

يمكن لك أن ترى هذا الرجل على المقهى، يشكو زوجته التى ترى أنه لا يفعل شيئاً ذو قيمة، يشكو عدم تفهمها لسحر المزمار، يشكو أنها لا ترى معه سحر أن ينظر للبلكونات في الشوارع ويرى عيون البنات متعلقة به متمنية أن يأتي بشاله الأبيض يوماً ما وينفخ في مزماره أغنية "على ورق الفل دلعني".

وبما أننا قد اتفقنا أننا -أنا وأنت- سوف نأخذ دور الكاتب ونتحكم في الشخوص، لن أصدر لك أي حكم أخلاقي على عازف المزمار، فلتنتقي وجهة نظر تروقك، إختلف معه أو اتفق، وتعال لأخبرك عن هذا الشاب على اليمين.

ذلك الشاب الواقف أعلى العربة، هو أخو العروس، لا أعرف عنه الكثير، ولكن ابتسامته الخجلى تلك عندما طالبوه أن يرقص تشي أنه من فئة الفقراء الذين تم تربيتهم جيداً.

يمكنك أن ترى هذا الشاب يقف في الشارع يدخن سجائر محلية الصنع ويتبادل مع رفاقه كلمات قليلة ثم يصعد بيته لينام، يمكنك أن تحصر حياته في ذلك المشهد فقط، ذلك هو متنفسه الوحيد بعيداً عن مصنع الملابس الذي يعمل فيه "مقصدار".

باقي شخوص المشهد لا يهمك أن تعرف من هم، وجوه تقابلها كثيراً جداً، والكاتب لم يخبرني بأي شىء عنهم.

الآن قد وصلنا للنقطة التي يجب على الكاتب فيها أن ينهي النص، وبما أننا -أنا وأنت- اتفقنا أن نخدعه، سوف ننهي حوارنا هنا، ولنتركه يلعب بشخوص النص كما شاء.


...........إنجي إبراهيم.............

هناك 7 تعليقات:

Ramy يقول...

حالة الزواج دى

فكرتينى بقصة قرتها لأحسان عبد القدوس

فى كتاب بيضم مجموعة قصاصية

الكتاب كله مجموعة من المشاعر الأنسانية الرائعة

بس طبعاً مع ذاكرتى الكارثية مش فاكر اسم الكتاب

بس اكيد هفتكره و اقولهولك

....................

ليه بقولك الكلام ده كله لأنك نقلتنى للحاله نفسها

معلش

رغاى بقى (:

Ramy يقول...

المجموعة القصصية

لا ليس جسدك

أرجو تقريها هتعجبك بجد

P A S H A يقول...

بديعة يا إنجي .. كنت بافكر أكتب حاجة كده من فترة بس بجد ما كنتش هاكتبها بنفس الروعة دي :)

تحياتي

Enjy Ebrahim يقول...

رامي..مجرد وجودك بيدي كتابتي نكهة حلوة

وعد هقراها..طالما بتوصية منك يبقى بالتأكيد حلوة


شريف..منور الدنيا..ربنا يخليك ويعزك زي ما بتفرحني كدة برأيك

rona ali يقول...

بسم الله ماشاء الله

صراحتآ من البدايه النص شدنى لدرجه انى كنت عايزة اصرخ آها واقول ذكيه ذكيه يا ناس:):)

اسلوبك حلو اوى يا انجى بجد انتى تجيدى السرد بشكل جميل وملفت

اعجبتنى جميع الشخصيات
وكم تحدثتى ان الحكم لي فساكتمه بداخلى لانه راي انا :):)

تحياتى بجد

yasmina يقول...

هااااى ازيك ؟
يارب دايما تكونى بخير

عايزة اقوللك انه بجد اسلوبك رااائع اوى فى كتابتك
بجد جميل جدا ومعبر ويخلينا نعيش الحكاية بجد ونتخيلها حتى لو كانت صعبه كدة
....
بجد رائع

تحياتى ليكى

Foxology يقول...

وهنسيب الكاتب لوحده يصطنع المشاعر والأشخاص على هواه ؟؟؟ المفروض نتدخل زى ماهو بيتدخل :)

تحياتى